قد يكون أعضاء الكونغرس على خلاف واسع، ومعدل البطالة مرتفع جداً، والبنية التحتية لأميركا تنهار، لكن الأميركيين من كل توجهاتهم السياسية يعزون أنفسهم بفكرة أنهم على الأقل رواد العــالم في التـــكنولوجيا المتقدمة، وسوف يبقون كذلك دوماً. فالصين لا يمكنها التفوق على أميركا لأنها ليست مبدعة بشكل كاف، وهي استبدادية فيما تعتبر العملية الديمقراطية، بحسب هذا السيناريو المريح، مركزية في عملية الابتكار.

 وعلى الرغم من أن أميركا قدمت حصة كبيرة من كل الابتكارات التكنولوجية التي شكلت عالمنا المعاصر، إلا أن الأدلة التاريخية الأوسع نطاقاً مخيبة للآمال لكل من كان يعتقد أن الحرية السياسية شرط أساسي مسبق لعملية الابتكار.

الحرية والإبداع

وحتى الأدلة المستمدة من التاريخ الأميركي تضعف الرؤية التي تفيد بأن "كل ما نحتاجه هو الحرية". وعلى الرغم من أن الحرية كانت منذ البداية مركزية في الثقافة السياسية لأميركا، غير أن الأميركيين لم يصنفوا كرواد في التكنولوجيا على الدوام. وبلوغ أميركا النضوج التكنولوجي كان متأخراً على نحو ملحوظ.

وكما أشار الرئيس السابق لدائرة البحوث في شركة "آي بي إم" رالف غوموري، أخيراً، كانت أميركا حتى ثلاثينات القرن الماضي تكيف التكنولوجيا التي تستلهمها من الدول التكنولوجية الأخرى أساساً، وهو دور شبيه بدور اليابان ودول شرق آسيا الأخرى في الفترات الأخيرة.

الصعود التكنولوجي

فكيف نفـــسر صعود أميركا المفاجئ في منتصف القرن العشرين إلى قمة المجد التكنولوجي؟ لا يعود الفضل في ذلك إلى الحرية، بل إلى المال. وهذا يطرح سؤالاً مصيرياً: هل مقـــدر على الصين، مع تـــحولها إلى دولة أكثر ثراءً، أن تتجاوز أميركا باعتــبارها الدولة الأكثر ابتكاراً في العالم؟ والسؤال يصــبح أكثر صلة بالموضوع لأن عدداً كبيراً من الخبراء يجادلون بأن الروح الابتكارية لأميركا بدأت تضعف.

وكما يقول الرأسمالي المغامر في وادي سيليكون فالي بير ثايل، فإن الابتكارات الأميركية في العقود الماضية اتسمت بقاعدة ضيقة بشكل ملحوظ، يقول: "كانت محصورة على نطاق واسع بتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية، وعلى النقيض من ذلك، ففي مجال المواصلات، على سبيل المثال، نحن بالكاد أكثر تطوراً الآن مما كنا عليه منذ 40 عاماً".

واستناداً إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ازداد إنفاق الصين على البحوث العلمية من نسبة 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000 إلى 1.7% عام 2009، أما في الصين، فقد زاد العدد الإجمالي للعاملين في مجال البحوث العلمية والتطوير بأكثر من ضعفين من عام 2000 إلى عام 2007، فيما ازداد عدد العاملين في مجال البحوث والتطوير في أميركا خلال الفترة نفسها بأقل من 10 %. ويتوقع معهد باتل في أوهايو إمكانية أن تتجاوز الصين أميركا في الإنفاق على البحوث العلمية والتطوير بحلول عام 2023.

دليل تكنولوجي

وفي هذه الأثناء، فان الأدلة المستمدة من إيداع طلبات براءات الاختراع تزداد شؤماً على أميركا. وحسب البيانات المجمعة من قبل المنظمة الدولية للملكية الفكرية، فإن المودع الخصب الوحيد الأكبر لطلبات براءات الاختراع الدولية بدءاً من عام 2011 كانت شركة الاتصالات الصينية "زد تي إي".

وهناك شركة صينية أخرى تدعى "هواوي" انتقلت لتحتل المرتبة الثالثة في جدول تسجيل براءات الاختراع عام 2011. والشركة الأميركية الوحيدة التي تقع ضمن العشرة الأوائل كانت "كوالكوم". وكل هذا يثير المزيد مـــن القلق لأن قانون براءات الاختراع الأميركي قد تعرض للضعف بشكل كبير.

وهناك مصدر قلق آخر هو أن الشركات الأميركية كانت تنقل عملياتها الخاصة بالبحوث والتطوير إلى الخارج. واستناداً إلى مؤسسة العلوم الوطنية، فإن 27% من كل الموظفين في دوائر البحوث في الشركات متعددة الجنسية الأميركية كانوا موجودين في الخارج بدءاً من 2009، في مقابل 16% عام 2004. وتبدو الصين مستفيدة من هذا الاتجاه. فكل من شركتي "انتل" و"ابلايد ماتريلز" تطوران مرافق بحوث رئيسية فيها.

وهناك نوعان من الإبداع التكنولوجي. والاختراقات الإبداعية المهمة تولد عناوين الصحف والفوز بجوائز "نوبل"، لكن كما يشير رالف غوموري، فإن المهمة في تحويل تلك الاختراعات إلى منتجات بأسعار مقبولة هي التي تهم اقتصادياً. وتميل شركات شرق آسيا إلى التركيز على المهمة الثانية، وعلى الرغم من أن التفاصيل المتعلقة "بتحسيناتهم المستمرة" في التكنولوجيا الإنتاجية، فإننا لا نلاحظ ذلك إلا نادراً في الصحافة، غير أن نجاحها كان الدافع للإثراء المذهل للمنطقة في السنوات الستين الأخيرة.

فبأي سرعة يمكن للصين أن تصبح الرائدة في مجال العلوم والاختراعات؟

 

سؤال مصيري

كيف نفسر صعود أميركا المفاجئ في منتصف القرن العشرين إلى المجد التكنولوجي؟ يعود الفضل في ذلك ليس إلى الحرية، بل إلى المال. ومع بدء الحرب العالمية الثانية، ضمت الحكومة الأميركية الشركات من أجل تكثيف الإنفاق على البحوث والتطوير، ثم جاءت الحرب الباردة وإطلاق السوفييت القمر الاصطناعي "سبوتنيك" في عام 1957، فأعطى المزيد من الزخم للبحوث الممولة من الحكومة. وكانت إحدى نتائج ذلك وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية التي ساعدت في تطوير الإنترنت.

وعلى امتداد التاريخ، فإن الدول الغنية تتجه دائماً نحو المستقبل قبل غيرها. وشركاتها بإمكانها أن تجهز مبدعيها وأصحاب الرؤية لديها بالمواد والأدوات والمعرفة الأكثر تطوراً.