يمكن أن تستغل الولايات المتحدة لصالحها كبرياء كوريا الشمالية وزعيمها كيم يونغ-أون بأن تنحي المسألة النووية جانبا في الوقت الراهن، وتدخل في مباحثات معها وتقدم مساعدات واستثمارات مهمة تعزز قوة اقتصاد تلك الدولة وتساعد شعبها "ليساعدوا أنفسهم"، بما يسمح بكسر دائرة التهديد والابتزاز.
لقد مضى ما يقرب عقدين من الزمن على حالات إهمال دورية، وآن الأوان لكي يكف المجتمع الدولي عن ممارسة لعبة كوريا الشمالية، ويستكشف البدائل للحد من عدوانيتها مرة واحدة والى الأبد، حيث إن النهج الحالي فشل، وكلما طال أمد الحفاظ على الوضع الحالي كما هو، زاد اقتراب المنطقة من حافة الحرب.
ومفتاح التغيير لسلوك بيونغيانغ لا يكون بفرض مزيد من العقوبات أو بنشر مزيد من القوات الأميركية في المنطقة. وفيما يمكن أن تعمل مثل تلك التحركات كرادع ضد كوريا الشمالية، إلا أنها تشكل عملية تأجيل ليس إلا، وفي الواقع تجعل حل الصراع والأسباب الكامنة وراءه أمرا أقل رجحانا.
التركيز على الاقتصاد
والمطلوب من واشنطن، وما يمكن أن تفعله دون غيرها نظرا لانشغال بيونغيانغ بها ووجود قواتها في كوريا الجنوبية، هو اعتماد نهج جديد خلاق يركز على الاستثمارات الأميركية المهمة بغرض مساعدة كوريا الشمالية في عملية بناء اقتصادها، وهذه النقلة الجديدة ستزيل المسألة النووية كأحد مكونات شرعية نظام بيونغيانغ، وتبطل مفعول الابتزاز النووي الذي تستخدمه كوريا الشمالية كوسيلة لكسب التنازلات من المجتمع الدولي.
ومن جهتها، حاولت كوريا الجنوبية القيام بذلك من خلال سياستها "سياسة شروق الشمس"، لكنها فشلت في النهاية لأنها لم تتعامل مع قضية انتشار القوات الأميركية فوق أراضيها. والآلية الثنائية الوحيدة التي تهم بيونغيانغ فعلا هي تلك القائمة مع واشنطن، أما ما تبقى، بما في ذلك علاقاتها مع بكين وسيؤول، فتعد ثانوية.
تهديدات
ومقابلة التهديدات بتهديدات مضادة لا تنفع إلا في تغذية جنون الارتياب الوطني في كوريا الشمالية، وتمنح النظام الأسس المنطقية التي بناء عليها سيعيد توجيه المزيد من الموارد باتجاه العسكر بعيدا عن الشعب الفقير المعدم أصلا. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تدعم حجج بيونغيانغ بأن العامل الرئيسي الذي يعوق التطور السلمي في هذه القضية هو الوجود الأميركي العسكري الذي مرت عليه فترة طويلة.
وإصرار كوريا الشمالية على شق التحالف بين أميركا كوريا الجنوبية يستمر لأن كوريا الشمالية ليس لديها شيء آخر تركز عليه، لا شيء يناشد بالقدر نفسه روح التضحية الوطنية.
الانتقال الصعب
وحان الوقت بالتالي لكي نوهم بيونغيانغ بتقديم شيء ما على سبيل خداعها وإيجاد فرص جديدة.
وتوفر عملية انتقال السلطة في بيونغيانغ في أعقاب وفاة كيم يونغ-إيل في ديسمبر 2011، ومن ثم خلافة ابنه كيم يونغ-أون له، إحدى تلك الفرص. وبينما هناك القليل من المعلومات حول الزعيم الجديد المتكتم، لكن يعرف عن حكم أبيه الذي دام 17 سنة بوصفه "القائد العزيز" أنه شكل فشلا ذريعا. وفي الواقع، فإن الإنجاز الوحيد لكيم الأب كان برنامجا نوويا ناشئا.
ويبرز فشله تحديدا عند مقارنته بعقود من النجاح النسبي والاستقرار تحت حكم والده ومؤسس كوريا الشمالية كيم إيل-سونغ. لكن كيم الثاني كان يستخدم جهاز الدعاية الخاص بالدولة والمشاعر الوطنية التي يطغى عليها الشك والارتياب لتحويل طموحاته النووية إلى أداة تضفي شرعية على حكمه.
لذا ليس من المستغرب أن يكون الإصرار الأميركي على تخلي بيونغيانغ عن برنامجها النووي قبل استئناف المباحثات المباشرة قد باء بالفشل، وقاد إلى الوضع الذي نجد أنفسنا فيه اليوم.
لكن ماذا عن كيم الأصغر؟ فالبرنامج النووي وحده لا يكفي ليضمن التأييد من الكوريين الشماليين. فهذا إرث والده. وفي ظل وجود خيارات أخرى محدودة تقصر عن خيار إشعال حرب إبادة، فان الزعيم الجديد قد يغريه بالتالي تحويل أيام المجد السابقة لكوريا الشمالية إلى وسيلة للاستلهام ومصدر للشرعية.
غياب البديل
أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أخيرا، أن الولايات المتحدة سوف تدافع عن حليفتيها كوريا الجنوبية واليابان في حال اندلع صراع في شبه الجزيرة الكورية، وإن المجتمع الدولي لن يقبل أبدا بكوريا الشمالية دولة مسلحة نوويا، وان واشنطن على استعداد لاستئناف المباحثات التي كانت متوقفة منذ زمن، فقط إذا وافقت بيونغيانغ على التحرك بجدية نحو نزع الأسلحة النووية.
وكيري بذلك يضع المسؤولية على كوريا الشمالية في أن تتحرك أولا، من خلال الالتزام بجدية في عملية نزع السلاح النووي. لكن الصين تبقى الطرف الرئيسي في تحقيق أي تقدم في هذه المسألة، ويتعين عليها تكثيف الضغوط على بيونغيانغ أكثر مما فعلت حتى الآن.
وفي المقابل، ليست هناك ثقة بان الإدارة الأميركية لديها استراتيجية أخرى أكثر نجاحا من الاستراتيجية الحالية التي فشلت في كبح برنامج السلاح النووي لكوريا وولعها بالقتال.
