شكل اعتذار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لنظيره التركي رجب طيب أردوغان، والذي تم بوساطة أميركية في 22 مارس الماضي، تطورا غير عادي في الشرق الأوسط، وكشف النقاب بالقدر نفسه عن إعادة ترتيب للأولويات لدى الحليفين الأهم لأميركا في المنطقة، كما أماط اللثام عن حاجة إدارة أوباما لوقوف أصدقائها جنبا إلى جنب في أوقات تتسم بعدم الاستقرار المتزايد في المنطقة.

وبناء على ترتيب مسبق، ألقى نتنياهو اعتذاراً رسمياً عبر الهاتف عن أرواح الأتراك التسعة الذين سقطوا على متن السفينة التركية "مرمرة" في مايو 2010، عندما قامت قوات خاصة إسرائيلية بالصعود إلى متن سفينة المساعدات في أسطول الحرية، والتي كانت في طريقها لفك الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة. وكلمات نتنياهو استعادة التحالف بين الطرفين والقوة العظمى التي تحتاجهما إلى جانبها، ومنحت أردوغان دفعة كبيرة من النفوذ والهيبة.

ولقد توج هذا الاعتذار أسبوعا تاريخيا للدبلوماسية التركية. فقبلها بيوم واحد، فاز أردوغان بتنازلات يمكن القول إنها أكثر أهمية وأبعد مدى من جانب خصم آخر. فقد أمر القائد المسجون لحزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، مقاتليه بالخروج من تركيا، وأعلن أن السعي الكردي لحقوق متساوية سيكون من الآن فصاعداً صراعاً سياسياً بحتاً، وهو الصراع الذي حصد اكثر من 40 ألفا من الأرواح على امتداد ثلاثة عقود.

انتصار مزدوج

وهذا الانتصار المزدوج لا يحسن موقع أردوغان كلاعب إقليمي فحسب، وإنما يحمل أيضا في طياته نتائج كبيرة للشرق الأوسط، الذي يشهد تغييرا سريعا. وعلى المدى الطويل، ستغذي صفقة سلام تركية مع الثوار الأكراد التطلعات القومية للأكراد في أماكن أخرى.

وتركيا هي موطن نصف الأكراد في العالم البالغ تعدادهم 30 مليون نسمة، والذين يمثلون الشعب الأكبر من حيث عدد السكان دون وطن في العالم، أما الباقون فمنتشرون أساساً بين أربعة بلدان أخرى، هي: ايران والعراق وسوريا وأرمينيا.

 وتاريخيا، كان الأكراد ميالين في الغالب نحو التحالف مع القوى الغربية، وسيكون التوصل إلى حل سلمي للحرب التي يخوضها حزب العمال الكردستاني مع تركيا خطوة باتجاه تعزيز التأييد للغرب في الشرق الأوسط.

بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما، المكافأة التي حصدها من لفتة نتنياهو تكمن في إنهاء الطريق المسدود الذي عقد مشكلاته في الشرق الأوسط من دون داع. وتتقاسم إسرائيل وتركيا وأميركا مصالح متداخلة في كثير من المجالات، إلى حد يجعل عدم التباحث بين طرفين من تلك الأطراف الثلاثة أمرا غير مفهوم للمراقبين الدوليين، بينما تشتعل النيران في عدد من تلك المجالات، بما في ذلك ثورة مضطربة في مصر، وانتفاضة دموية في سوريا.

والبلدان كانا يشغلان أصلا قنوات سرية عندما بدأ أوباما عند وصوله إلى إسرائيل في 20 مارس بالضغط على نتنياهو من أجل تقديم الاعتذار الذي جعله أردوغان شرطا لذوبان الجليد.

والأولوية بالنسبة لإسرائيل وتركيا هي سوريا، الدولة التي تنهار بينهما.

وإذا كان اجتماع الحليفين القديمين في وجه التهديد المتبادل مسألة وقت، فإن التناغم الجديد بين حزب العمال الكردستاني وتركيا لم يكن أمرا حتميا. وعلى امتداد عقود، كان الطرفان يسحقان أحدهما الآخر بأعمال عنف كانت تلطخ التحول الرائع لتركيا إلى لاعب دبلوماسي واقتصادي رئيسي في المنطقة. والحكومة التركية والجيش التركي لطالما كانا متهمين بارتكاب انتهاكات بحق الأكراد من قبل مجموعات حقوق الإنسان، فيما يعتبر حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية من قبل أميركا والاتحاد الأوروبي.

مصالح متبادلة

ومثل التقارب مع إسرائيل، الاختراق الذي حصل بعد مفاوضات سرية دامت شهوراً مع أوجلان كانت نتاج مصالح متبادلة. فأردوغان والقوميون الأكراد بإمكانهم أن يعملوا بحرية اكبر الآن بما أن أردوغان نجح في تنحية الجيش التركي عن الحياة السياسية، حيث ان الجنرالات فرضوا خطا علمانيا وعرقيا متشددا. ودستور جديد يمكنه أن يستوعب التطلعات الكردية داخل الحدود التركية كما يفضل الأكراد الآن بحسب استطلاعات الرأي.

ثم هناك قضية طموحات أردوغان السياسية. فحزب العدالة والتنمية التركي يسعى لتعزيز منصب الرئاسة، كجزء من دستور جديد تجري صياغته ليحل محل الوثيقة القائمة بوحي من الجيش التركي. والمتوقع بشكل واسع أن يتصدى أردوغان لتولي الرئاسة في عام 2014، قبل سنة من نهاية ولايته الحالية كرئيس للوزراء.

لكن حزبه ينقصه أغلبية الثلثين لتمرير الميثاق، وأي من خصومه العلمانيين ليس ميالا لتقديم المساعدة. وهذا يترك الأكراد، الذين يناصر تكتلهم السياسي الرئيسي، حزب السلام والديمقراطية، أوجلان الذي قال لمحامين من الحزب زاروه في جزيرة امرالي في 23 فبراير الماضي، بحسب وثيقة مسربة: "يمكننا دعم رئاسة أردوغان".

والمسألة الآن تتعلق بمدى قدرة الاتفاق على الصمود في وجه مقاومة الأتراك الذين يعارضون أردوغان والتطلعات الكردية. يقول بكير أغيردير رئيس مركز كوندا للبحوث والاستشارات الذي يزود السياسيين باستطلاعات للرأي شهرية سرية: "يوجد المزيد من الاستقطاب".

وأوجلان أيضا سيكون عليه استرضاء المشككين داخل حزب العمال الكردستاني. لكن إذا كان بإمكان الزعيمين تثبيت حالة السلام، فإن تركيا بإمكانها أن تقدم مثالا لبلدان أخرى في المنطقة حيث الرغبة في الديمقراطية كانت تعطلها سياسات الهويات الوطنية بطريقة تتسم بالعنف في معظم الأحيان.

 

أولويات المنطقة

الأولوية بالنسبة لإسرائيل وتركيا هي سوريا. فقد كتب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في صفحته على فيسبوك في 24 مارس الماضي: "سوريا تتفتت، ومخزوناتها الهائلة من الأسلحة المتقدمة بدأت في الوقوع في أيدي العناصر المختلفة، وأكثر ما نخشاه هو أن تضع المجموعات الإرهابية يدها على الأسلحة الكيماوية".

وكل من تركيا وإسرائيل يفضل التخلص من الرئيس السوري بشار الأسد، وكلاهما يعملان عن كثب مع واشنطن، تركيا لدعم الثوار السوريين، وإسرائيل لمراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية للأسد، وتقاربهما سوف يقلص إمكانية الحوادث، ويعطي على الأقل نظاماً مصاباً بجنون الشك والارتياب سبباً جديداً للقلق بشأنه.