أصبح سعر الغاز أغلى بشكل فظيع ليس بالمال، وإنما بالدماء. وحصيلة الوفيات بين الأسرى المخطوفين الذين قتلوا بسبب فظائع المتشددين داخل مصنع للغاز في عين أميناس في شرق الجزائر قفزت من 23 إلى 48 شخصاً.
وكل ما يتعلق بهذه القصة كان قاتماً: خسارة الأرواح، الكراهية التي يكنها المتشددون من الجماعة المنشقة عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي نحو الغربيين، وحشية الهجوم، وطبيعة الهجوم المضاد من قبل القوات الخاصة الجزائرية، والتقارير التي تفيد عن وجود متشددين يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وتبعات الأمر على القتال ضد التشدد في مالي والساحل وعلى امتداد العالم، والنقص في المعلومات المثيرة للحيرة، وحصيلة الوفيات بين المتشددين.
خطأ في الإحصاءات
بالنسبة للنقطة الأخيرة، فقد أعلن النظام الجزائري بشكل رسمي في البداية عن مقتل 32 متشددا في عملية مكافحة الإرهاب الناجحة التي شنها، ولم يكن هناك من ناجين. وهناك خطأ ما برز على الفور وبشكل واضح بشأن هذه الإحصاءات، فالحروب والمعارك وعمليات مكافحة التمرد هي دائما تتصف بالفوضوية. ليس كل طلق ناري قاتل بشكل أكيد، وليس كل انفجار قنبلة هو انفجار مميت. وعلى أرض المعركة في العادة، يتوقع المرء أن يتجاوز عدد الجرحى أعداد القتلى بنسبة ثلاثة إلى واحد. في العراق وأفغانستان، بات الأميركيون الآن يتقنون جيدا إسعافات الطوارئ الأولية، حيث تكون نسبة القتلى إلى الجرحى في حدود واحد إلى ستة.
لكن رجال القوات الخاصة الجزائرية بقبعاتهم للرأس حتى العنق، قتلوا 32 من الخاطفين. وهناك تقليد كالح في تاريخ الحروب الأهلية في الجزائر يتمثل في قتل جرحى الجانب الآخر، لكي لا يبقى هناك أي شهود. ويمكن أن يجادل المرء بشأن صواب وخطأ هذه السياسة، لكن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أوضح الموقف البريطاني بشكل جلي عندما قال إن ردنا على هذا النوع من الإرهاب يجب أن يكون "صارما لكن ذكي".
يؤدي هذا الرد إلى معرفة مقر الجماعة المنشقة عن القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ومن أين حصلت على أموالها، وما إذا كان أعضاء يتحدثون الإنجليزية قتلى بين أولئك الرجال. والأخبار الأخيرة تفيد بأن السلطات القت القبض على ثلاثة متشددين كانوا مختبئين، مما يعني أن نسبة المتشددين القتلى إلى الجرحى هو في الواقع 3:32، وهذا يثير شعورا بحدوث خطأ مجددا.
أولوية القتل
بناء على الأدلة، كانت أولوية قوات الأمن الجزائرية على ما يبدو منصبة على قتل المتشددين، فيما ضمان سلامة الرهائن كان أقل أهمية، أما جمع المعلومات الاستخبارية، فكان مفقوداً كليا.
والجزائر لا تشبه الديمقراطية الغربية بشيء. في تسعينات القرن الماضي جرى سحق انتفاضة ديمقراطية، وذلك في حرب أهلية خلفت 100 الف قتيل، من بينهم عدد كبير من أشجع الصحافيين في البلاد، وكانت الانتفاضة قد سببها شعور بالإحباط من حالة الفساد ونقص الإنصاف، مع وجود لميول إسلامية في بعض الدوائر. اليوم، مازالت المؤسسة الأمنية تمارس سلطتها معتمدة على النفط والغاز، وهو القطاع الذي يشكل نسبة 98% من دخل البلاد، وعلى ما يبدو تتحكم بهذه الثروة مجموعة صغيرة. أما حكم القانون والسلطة المدنية، فإنهما يعانيان من ضعف شديد، ويذهب بعض النقاد إلى أبعد من ذلك، حيث يقولون إن النظام هو أقرب إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا.
في تسعينات القرن الماضي، حصلت في الجزائر سلسلة من المجازر بحق مدنيين بالقرب من ثكنات الجيش ووقعت اللائمة على قوات الأمن. وكانت الأدلة التي تشير إلى أن الدولة عذبت منشقين دامغة، وحتى الآن، لا تسمح الجزائر للمقرر الخاص للأمم المتحدة حول التعذيب من زيارة البلاد.
الصمت على الانتهاكات
بالتالي، يتعين على السياسيين الغربيين إبداء عناية كبيرة قبل أن يفترضوا أن كل شيء تقوم به الدولة الجزائرية ضد المتشددين هو من أجل الأفضل. وكان وزير الدفاع البريطاني، فيليب هموند، قد قال عن أزمة الرهائن: "يتحمل الإرهابيون وحدهم المسؤولية عن ذلك". هذا قول صادق، لكن قوات الأمن الجزائري وقيادة هذه القوات يتحملون بعضا من المسؤولية عن حجم الخسائر في الأرواح. فإذا كان ما أفيد به صحيحا، بأن مروحيات هليكوبتر من طراز "هند" فجرت قافلة تحوي متشددين ورهائن فيما كانوا يغادرون مصنع الغاز، فإنه عندئذ تكون تحركات القوات الأمنية قد فشلت في اختبار رئيس الوزراء البريطاني، فيما يتعلق بالتحرك "الصارم والذكي".
وهذا الموضوع يهم لأنه منذ الربيع العربي بات الرأي العام في هذا الجزء من العالم لادغا. والمسلمون على امتداد شمال إفريقيا والشرق الأوسط يمكنهم سماع السياسيين الغربيين وهو يهاجمون الرئيس الأسد على القتل الجماعي والتعذيب، وإذا ما لاحظوا صمتهم حول ما تقوم به الدولة الجزائرية، فإن هذا قد يعمل على تقويض الحرب من أجل كسب القلوب والعقول ضد تنظيم القاعدة. ومن يعتقد بحرية التعبير والديمقراطية والحقوق المدنية لا يمكن أن يرضى بذلك.
معيار
يتعين على السياسيين الغربيين إبداء عناية كبيرة قبل أن يفترضوا أن كل شيء تقوم به الدولة الجزائرية ضد المتشددين هو من أجل الأفضل. وكان وزير الدفاع البريطاني، فيليب هموند، قد قال عن أزمة الرهائن: "يتحمل الإرهابيون وحدهم المسؤولية عن ذلك". هذا قول صادق، لكن قوات الأمن الجزائري وقيادة هذه القوات يتحملون بعضا من المسؤولية على حجم الخسائر في الأرواح. فإذا كان ما أفيد به عن قيام مروحيات هليكوبتر من طراز "هند" بتفجير قافلة تحوي متشددين ورهائن فيما كانوا يغادرون مصنع الغاز صحيحا، فان تحركات القوات الأمنية فشلت في اختبار رئيس الوزراء البريطاني الذي دعا إلى تحرك "صارم وذكي".
