منذ عام 2004، شنت أميركا مئات الهجمات بواسطة الطائرات الموجهة عن بعد المعروفة باسم "الدرون" في شمال غرب باكستان، على الرغم من احتجاجات الحكومة الباكستانية. والطائرات الموجهة عن بعد التي تتم قيادتها بواسطة عاملين باللاسلكي في أميركا، توصف بأنها وسيلة تنقذ أرواح الجنود الأميركيين، وتجعل الحرب اكثر كفاءة.
ومن دون جنود على الأرض، يمكن أن تستهدف أميركا الإرهابيين وتقتلهم بشكل آمن في النصف الآخر من العالم. والسؤال الذي يطرح هو: "بشكل آمن بالنسبة لمن؟"
حرب استقصائية
والحكاية الأكثر رواجا بين الأميركيين هي أن تلك الحرب هي حرب جراحية استقصائية دقيقة تسبب القليل من "الأضرار الجانبية". والأضرار الجانبية هو التعبير الملطف "لقتل الرجال والنساء والأطفال الأبرياء وتشويههم". لكن بالنسبة إلى دراسة صدرت أخيرا، فإن هذه الحكاية "الجراحية الاستقصائية" ليست صحيحة.
والباحثون في كلية الحقوق في ستانفورد وكلية الحقوق في جامعة نيويورك يقدرون انه خلال الفترة ما بين يونيو 2004 حتى منتصف سبتمبر 2012، قتلت هجمات الطائرات الموجهة عن بعد في باكستان ما بين 2593 إلى 3365 شخصا، منهم ما بين 474 إلى 884 مواطنا مدنيا، بما في ذلك 176 طفلا على الأقل، إلى جانب ما بين 1249 إلى 1389 شخصا أصيبوا بجروح. وقتل الأبرياء يغضب الباكستانيين وغيرهم، ويساعد في تطرفهم ضد الولايات المتحدة، وفي إيجاد موقع خصب للإرهابيين لتجنيد منتسبين جدد.
وكثير من الناس يردون على هذا بالقول: "لكن كل هذا تغير بعد عام 2009، عندما سقط راعي البقر الخطير بوش في الانتخابات ودق باراك أوباما أجراس حقبة جديدة من الأمل والتغيير". والواقع أنه لم تتغير أشياء كثيرة كما قد يسود الاعتقاد. في الواقع، فإن معظم الأميركيين، كما معظم البريطانيين وبالتأكيد معظم الناس خارج باكستان، غير مدركين للحقائق حول كيفية إدارة فريق أوباما لهذه الحرب. وهناك بعض الأمور البارزة يفترض تذكرها.
في وصفها لضربات الطائرات الموجهة عن بعد من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، تلاحظ صحافية التحقيقات الأميركية جين ماير: "أن البرنامج يجري تصنيفه بأنه سري، فيما ترفض وكالة الاستخبارات إعطاء أي معلومات للشعب حول مكان عملها وكيفية اختيار أهدافها ومن هو المسؤول، أو عدد الناس الذين قتلوا".
سلطة الأمر بالقتل
والبرنامج جرى تأسيسه بناء على مطالبة من إدارة أوباما بعدم خضوع برنامج الطائرات الموجهة عن بعد لأي مساءلة قضائية، وبإمكانية استهداف المستهدفين بالقتل سراً بشكل قانوني نزولا عند إرادة الرئيس أحادية الجانب، حتى لو كانوا من الأميركيين. بعبارة أخرى، نعيش اليوم في عالم استولى فيه الرئيس الأميركي على سلطة تتيح له أن يأمر سراً بالموت الفوري لمن يختاره، أكان أجنبيا أو مواطنا أميركيا، من دون أدلة واعتقال ومحاكمة وقاض وهيئة محكمة وإدانة.
وتضيف ماير قائلة: " نظرا لسرية برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فإنه لا يوجد نظام محاسبة مرئي في هذا المجال، على الرغم من واقع أن الوكالة قتلت كثيراً من المواطنين داخل بلاد مسلحة نوويا وهشة سياسيا ليس لدى أميركا حرب معها. فإذا حصل أمر على سبيل الخطأ في برنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فإنه من غير الواضح ما ستكون عليه التبعات جراء ذلك، علما انه في الشهر الماضي فقد سلاح الجو الأميركي السيطرة على طائرة موجهة عن بعد وأجبر على إسقاطها فوق أفغانستان.
واستنادا إلى صحيفة "نيويورك تايمز" فإن: "أوباما تبنى طريقة متنازع عليها في تعداد الإصابات بين المواطنين، لم تفعل إلا القليل في اعتراض سبيله. وهذه الطريقة في الواقع الفعلي تحصي كل الرجال في سن الخدمة العسكرية في منطقة الغارة الجوية باعتبارهم مقاتلين، إلا إذا كانت هناك معلومات استخبارية واضحة في مرحلة ما بعد الوفاة تثبت براءتهم".
ويقول الصحافي الأميركي غلن غرينوولد: "في فبراير الماضي، وثق مكتب صحافة التحقيقات بأن أميركا بعد قتلها الأشخاص بالطائرات الموجهة عن بعد في باكستان تقوم بعدها باستهداف الذي يحضرون إلى مسرح الغارات لإنقاذ الناجين واستعادة الجثث، بالإضافة إلى أولئك الذين يتجمعون لتأبين القتلى في المآتم". بعبارة أخرى، لم تؤد حرب الطائرات الموجهة عن بعد، إلى أضرار جانبية عرضية فقط، بل إلى قتل متعمد للمواطنين المدنيين دون تمييز، على نقيض تام مع "النهج الجراحي الاستقصائي" الذي توصف به.
وتدرك إدارة أوباما الخطر المذهل المتمثل في استيلاء مسؤول تنفيذي على مثل تلك السلطات لنفسه. ففي الأيام التي سبقت الانتخابات، بدأت الإدارة في كتابة مسودة "مبادئ توجيهية" لسياستها المتعلقة بالقتل سرا وبشكل أحادي خارج نطاق القانون، لأنها كانت خائفة من وقوع تلك السلطات في يد جمهوري. وهذا الجهد قد تراخى الآن بعد أن أعيد طمأنة الذين يعتبرون انفسهم تنويريين بأنهم سيستمرون في موقع المسؤولية. وهؤلاء يدركون أن بإمكانهم النجاة دون عقاب، لأن الطائرات الموجهة عن بعد تعمل فوق باكستان فقط، حتى الآن.
لكن مع هيمنة تلك العقلية في أميركا التي تؤكد أن "العالم بأسره هو ميدان للمعركة"، فانه لا ينبغي لأي أميركي أو بريطاني أن يصرف النظر عن احتمال انتقال ما يجري مع الباكستانيين اليوم إلى ترابهم غدا، فيما الدولة الأمنية الأميركية تستمر في سعيها للأمان دون هوادة، بغض النظر عمن يفترض قتله في سبيل ذلك.
مساءلة مفقودة
تعتمد السياسة الأميركية في حرب الطائرات الموجهة عن بعد في حالات عدة على اطلاق نار على أشخاص لا تعرف عنهم شيئا بأمل أن يكون بعضهم من الإرهابيين. ونحن كمواطنين أميركيين، نسلم لمسؤول تنفيذي لا يخضع للمساءلة على الإطلاق سلطة الأمر بالقتل سراً من يختاره. وتصوروا قيام الصينيين باستخدام الطائرات الموجهة عن بعد على التراب الأميركي لاستهداف المجرمين المشبوهين أو أعضاء من المافيا الصينية وقتلهم.
هل كان سيرضى الأميركيون بتوضيحات الحكومة الصينية إذا قالت إن ما بين 500 إلى ألف أميركي بريء قتلوا هم "خسائر مقبولة" و"أضرار جانبية"، وهل ستكون هناك من طريقة أفضل تعمل بها الصين على إثارة الحرب؟
