يقف المراقبون طويلاً أمام المعارضة القوية التي أبدتها الولايات المتحدة للطلب الفلسطيني للجمعية العامة للأمم المتحدة لحصول فلسطين على وضعية الدولة المراقب، وربما بدت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس معزولة حين تقدمت باعتراض واشنطن على الطلب الفلسطيني، ولكن المؤسسة السياسية الأميركية كانت تساندها بالكامل.
غير أنه فيما يتعلق بقضية واحدة فقط، التزم السياسيون الأميركيون المؤيدون لإسرائيل بالصمت على نحو يكشف للفلسطينيين ثغرة في الدرع الأميركية لإسرائيل، حيث قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو معاقبة الفلسطينيين على نتيجة التصويت في الأمم المتحدة بإعلان توسيع نطاق المستوطنات الإسرائيلية القائمة والمضي قدما بخطة تعرف تقليديا باسم "إي-1" لربط القدس بمعاليه أدوميم، التي تعد إحدى أكبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والمعروفة لدى الفلسطينيين باسم "أبو غنيم".
ومن شأن هذا التحرك الإسرائيلي أن يحقق قضما كبيرا للدولة الفلسطينية ، والأكثر أهمية من ذلك أنه يعزل بصورة أكبر القدس الشرقية عن باقي الضفة الغربية، وذلك كجزء من الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة المدى لانتزاع المدينة بكاملها وتهويدها.
وجادل نتانياهو بأن ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة يعد تهديدا للسلام، وقد اعتبر الجميع تقريباً الإعلان عن المستوطنات ضربة أكبر بكثير إلى اتفاقية يمكن أن تنهي الصراع.
وأخيراً، قال البيت الأبيض كلمته، حيث انتقد الرئيس الأميركي خطة "إيبلان" باعتبارها "مضرة بصفة خاصة"، ولم يسارع الكونغرس لإدانتها. وحتى لجنة الشؤون الأميركية الإسرائيلية العامة المعروفة باسم "إيباك" التي تعد اللوبي المؤيد لإسرائيل، لم تتصدر الصفوف للدفاع عن إسرائيل.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قد وصفت المستوطنات الإسرائيلية العام الماضي بأنها "غير مشروعة".
الآن يبحث الفلسطينيون احتمال المضي إلى المحكمة الجنائية الدولية لإثارة قضية المستوطنات هناك، وستكون تلك خطوة ذكية إذا استطاعوا أن يقاوموا الضغط الحتمي من الغرب للإحجام عن القيام بذلك.
وفي غمار كل المنازعات حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، كان هناك صراع أقوى بالعواصم الغربية حول وصول الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية. والإسرائيليون أكثر خوفاً من هذه المحكمة مما يعلنون عنه.
وقد حاول البريطانيون والأميركيون دفع الفلسطينيين إلى التخلي عن حق اللجوء إلى هذه المحكمة، وذلك على أساس أن هذا من شأنه أن يعقد عملية السلام التي لا وجود لها بالفعل. غير أنه من الصعب تخيل أن واشنطن ولندن لم تكونا قلقتين حول العواقب المترتبة على انتقال المحكمة من اتهام الطغاة وقادة الحرب الأفارقة، إلى اتهام العسكريين والمسؤولين في حليف قريب من الغرب بجرائم حرب في غزة.
تحرك مختلف
ولكن الآن يثير الفلسطينيون إمكانية تحرك مختلف للمحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالمستوطنات وذلك في أعقاب إعلان إسرائيل عن الخطة "إي -1" وقد صرح وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي ِأخيرا بأنه إذا مضت إسرائيل قدما في بناء المستوطنات فإن حكومته سوف تتوجه إلى هذه المحكمة.
وأضاف المسؤول الفلسطيني في تصريحه: عندئذ سيكون بمقدورنا مقاضاة إسرائيل عن كل جرائم الحرب التي ارتكبتها ضد شعبنا في الماضي، وخاصة بناء المستوطنات والأمر بكامله يتوقف على إذا ما كانت إسرائيل ستستمر في موقفها الخاص بالمستوطنات.
وقد قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس الشيء نفسه خلال زيارته إلى تركيا، فالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية هي انتهاك صارخ للقانون الدولي في ظل المادة 49 من معاهدة جنيف لـ 1949، التي تحظر على القوى المحتلة نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، وهي فقرة أدرجت في هذه المعاهدة في المقام الأول بسبب محاولات النازي استيطان مناطق من بولندا المحتلة بغرس الألمان هناك.
ذريعة باطلة
ويتمثل دفاع إسرائيل في أن الضفة الغربية ليست أرضا محتلة بالمعنى الدقيق لأنها لا تنتمي لدولة أخرى، ولكن تصويت الأمم المتحدة قد غير ذلك، وحاولت إسرائيل كذلك القول بأن المستوطنات تندرج تحت سماح المعاهدة بالبناء كضرورة عسكرية ، ولكن من الصعب الدفاع عن هذا الوضع بينما تتمثل سياسة الحكومة الإسرائيلية في نقل عائلات المهاجرين اليهود إلى المستوطنات ومنحها إعفاءات ضريبية لتشجيعها على الانتقال إلى هناك.
وعلى أي حال ، فإن مجلس الأمن واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومحكمة العدل الدولية والأطراف الموقعة على معاهدة جنيف جميعها تقول إن المستوطنات تشكل انتهاكا للمادة 49 من المعاهدة. وما من حكومة أخرى غير إسرائيل بما في ذلك الإدارة الأميركية تنظر إلى المستوطنات الإسرائيلية باعتبارها شرعية.
ويشعر الإسرائيليون بالعصبية حيال التحرك القانوني ويعتبرونه حرباً قانونية مؤثرة لأن التصدي للمستوطنات الإسرائيلية لا يهدد حق إسرائيل في الوجود، وهو ليس تحركا عنيفا،ـ ولا يمكن الزعم بأنه إرهاب، ولن تندفع حكومات عديدة للدفاع عن إسرائيل.
ومن شأن صراع قانوني في المحكمة الدويلة الجنائية الدولية أن يفضح الضم ونزع الملكية الكامنين وراء الاستراتيجية الاستيطانية الإسرائيلية، أي سرقة الأرض من الفلسطينيين وهي الممارسة التي تجعل المستوطنات الإسرائيلية تحظى بماء رخيص لا حدود له بينما القرى الفلسطينية القريبة تتعرض للتقنين الإجباري والتكلفة المرتفعة.
تأثير هائل
في ضوء حكم في المحكمة الجنائية لصالح الفلسطينيين قد يكون له أكثر من تأثير هائل، ولكن بصفة خاصة تأثير يذكرنا بأنه عندما دخل أوباما البيت الأبيض قبل 4 سنوات حاول إجبار نتانياهو على أخذ التوصل باتفاق مع الفلسطينيين بجدية وبدأ بالمطالبة بتجميد كامل لبناء لمستوطنات، وعمد رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى المناورة ، ووصل إلى حد إذلال أوباما، وواصل التصرف كما لو أن شيئا لم يحدث، وإذا أراد أوباما العودة إلى معالجة هذا الصراع بعد استهلال فترته الرئاسية الثانية، فلن يضيره أن يجعل المحكمة الجنائية تحوم في الأفق.
