أقول للذين استغربوا حصول الاتحاد الأوروبي على جائزة نوبل للسلام: "فكروا مرتين". فهذه لم تكن مجرد جائزة استحقتها أوروبا عن جدارة لمساهمتها في إحلال السلام واستقرار الديمقراطيات في الماضي الحديث، بل كانت أيضا تحذيرا واضحا مرسلا من لجنة نوبل إلى قادة أوروبا الحاليين، وأنا أسمعهم يقولون: "لا تهجروا السفينة في هذه الرحلة الملحمية الصعبة. ففي عالم اليوم، الاتحاد الأوروبي أهم من أن يفرط به".
والجائزة كانت ردا قويا، على الرغم من أنه غير مباشر، على الخطاب القومي والشعبوي الخطير الذي تبناه بعض الساسة عند وصفهم للأزمة المالية الحالية.
ولم يكن ممكنا أن تأتي هذه الرسالة في وقت أفضل.
وكما تأتينا الأشباح من الماضي، نرى اليوم العنف السياسي، والرهاب من الأجانب، وإلقاء اللوم على المهاجرين، وزحف القومية المتطرفة، كلها تتحول إلى سجالات عامة، حتى داخل برلماناتنا.
وهذه أوروبا في حالة انحراف عن مبادئها المؤسسة، تلك المبادئ التي قدمت الكراهية القومية بوصفها لعنة.
سياسات الخوف
لكن هذه هي سياسات الخوف التي تعوق أوروبا وتصيبها بالعجز. وأوروبا عاجزة على ما يبدو عن إنهاء هذه الأزمة، نظرا لأنها منقسمة. وهذا الأمر يقوض الثقة بيننا والثقة بمؤسساتنا الأوروبية، وهذا المناخ لا يوحي بالثقة سواء في مواطنينا أو في الأسواق، كذلك لا يشكل عودتنا إلى التأميم في أوروبا الطريق إلى الحل.
ومن مسؤولياتنا كسر حلقة الخوف وعدم الثقة الآن. ونحن نبخس كثيرا من قدراتنا كاتحاد أوروبي، ومن قدراتنا على تهدئة الأسواق أو إيجاد الوظائف. ونحتاج مجددا إلى الإيمان بالقدرة الهائلة لشعوبنا شمالا وجنوبا وغربا وشرقا. ويتعين علينا إعادة إشعال الروحية التي وحدتنا عام 1989 لحظة سقوط جدار برلين. ونحن ندرك الصعاب التي واجهتنا آنذاك، لكننا لم نجبن، بل قررنا الاستثمار في إمكانيات أوروبا والإمكانيات التي تمتلكها شعوبنا. وهناك كثير من الإمكانيات الكامنة وغير المستفاد منها لدى شبابنا، وفي مجال خبراتنا، وتنوعنا، وثقافاتنا.
وهذه ليست قضية إرادة سياسية فحسب، بل يتعين علينا جمع هذه الإرادة بفهم معمق لمكامن ضعفنا الحقيقية. فعلى امتداد العقود الماضية، أصبحنا اكثر اعتمادا بعضنا على بعض في أوروبا. وهذا لم يحدث عن طريق الصدفة، بل نتيجة لتصميم بدأ منذ أيام جان مونيه ووزير الخارجية الفرنسية آنذاك روبير شومان. وهذا الترابط بيننا هو الذي جعل الحروب التي اندلعت في الماضي غير واردة على الإطلاق.
لكن إذا كان الترابط بيننا مهما في سبيل الحفاظ على السلم، فإنه لا يكفي ليحولنا إلى قوة فاعلة، وقادرة على التكيف، وقوية على المسرح الدولي. والترابط بيننا واعتماد بعضنا على بعض لا يضمن تعزيز الديمقراطية لمواطنينا ولا تحرير قدرات شعوبنا.
وفي الواقع، هذا الترابط اليوم ينظر إليه من قبل كثيرين كقيد يكبلنا، بدل أن يعطينا القدرة على التعامل مع التحديات الدولية الجديدة.
والسجال حول انهيار اليورو، أو حتى الخروج من منطقة اليورو، يشكل نقطة في هذا المجال.
ويتساءل مواطنونا، بالتالي، ما إذا كانت هذه الهيكلية الأوروبية لا زالت مفيدة، أو ما إذا كان يتعين علينا أن نذهب كل في طريقه الخاص المستقل. وكما في "ملحمة الأوديسة"، فان الألحان الصادرة عن تلك النسوة تشير إلى تغيير المسار. لكن، على الرغم من حلاوة غنائهن، فإننا ندرك أن هدفهن أن تتحطم سفننا على الصخور الضحلة. وإذا كان يفترض بنا تفادي تلك الصخور، فإننا نحتاج إلى إعادة التفكير بشكل جذري ببنى الحوكمة القائمة والردود السياسية عليها، للاستفادة من نقاط القوة لدينا وتحييد نقاط الضعف.
ثلاثة مبادئ
ويجب أن تدعم ثلاثة مبادئ رئيسية قيام أوروبا اكثر تقدمية.
أولا، يتعين علينا تقوية القدرات المؤسساتية لأوروبا.
والأولوية اليوم يجب أن تكون في المجال المالي الاقتصادي. فمنطقة اليورو هي اكبر اقتصاد في العالم، واليورو هو ثاني أكبر احتياطي عملة في العالم، وبالإجمالي لدينا الأسس الاقتصادية القوية، لكننا غير قادرين على الاستفادة من قواتنا بسبب ضعف المؤسسات أو غيابها.
وعلى الرغم من التقدم الهام، في المجالات التالية على سبيل المثال:
- تقوية المراقبة المالية
- آلية الاستقرار الأوروبية
- الحزمة ذات البنود الستة لتعزيز الحوكمة والرقابة
- التفويض الأوسع نطاقا للمصرف المركزي الأوروبي، مع الإدخال الأخير ل "المعاملات النقدية الصريحة"،
إلا أنه، يتوجب علينا أن نخطو خطوة أخرى بعد. فنحن قد جمعنا المخاطر التي تهددنا، وبات علينا الآن أن نجمع قوانا. وإصدار سندات اليورو وإقامة اتحاد مصرفي فيدرالي هما أداتان مهمتان لحماية الاتحاد الأوروبي من أزمات مماثلة، ولوضع اقتصادنا على أسس اكثر استقرارا.
ثانيا، نحتاج إلى تحرير القدرات البشرية لأوروبا وإعادة تنشيطها. والبطالة المرتفعة يجب أن يقابلها استثمار في الرأسمال البشري والتعليم والأبحاث، ونمو في مجال الصناعات المحافظة على البيئة، والبنى التحتية الضرورية للطاقة الخضراء، ومجتمع المعرفة.
وفي سباقنا نحو التنافسية، سنحاكي نماذج لا علاقة بها بتقاليدنا إلا في حدود ضيقة. فكثير من الأسواق الصاعدة، تفتقر إلى أسس المفاوضة الجماعية والمساءلة الديمقراطية، فيما الأجور متدنية، وظروف العمل ما دون المستوى المطلوب، وهناك عدم اعتبار للبيئة، بالإضافة إلى ملاجئ ضريبية(نهبت البلدان من إيرادات هائلة ما يصل إلى 11 مليار يورو في السنة من اليونان لوحدها)، وهذه النماذج قد تقدم ميزة نسبية مؤقتة. لكننا في سعينا للنمو، لا يمكننا السباق إلى الحضيض. يجب أن تستند قدرتنا التنافسية على النوعية، وليس على عدم المساواة.
ثالثا، يتعين علينا تعزيز قدراتنا الديمقراطية. نحتاج إلى مؤسسات ديمقراطية مبتكرة تمكن مواطنينا وتعزز من شرعية قراراتنا.
ومسار صنع القرار المعقد في الاتحاد الأوروبي كان نتاج توازن تاريخي حساس بين الدول الأعضاء. لكن اليوم يشعر الناس بأنهم مهمشون من قبل هذه القرارات. وفي محاولة لمواجهة عجزها المالي، فان أوروبا قفزت إلى عجز ديمقراطي.
وفيما نحن نخطو الخطوة التالية نحو التكامل الأوروبي، يجب أن نعطي هذا المسار إلى الشعب. والسياسات المفروضة على المواطنين من دون موافقتهم، مصيرها الفشل. هناك جيل شاب متعلم وعاطل عن العمل ومحبط بدأ يخسر إيمانه بمؤسساتنا وقيمنا الأوروبية.
وهذا الفراغ يخلق أرضية خصبة للشعبوية والتطرف. وعندما يشعر مواطنونا بأنهم منبوذون، فإنهم إما يتحولون إلى منقذين أو يبحثون عن كبش فداء لإلقاء اللوم عليه، حيث أن عدم مشاركتهم بالحوار والمداولات المسؤولة، لا يسمح لهم بفهم المشكلات المشتركة وحلها.
إعادة نظر شاملة
ويمكن أن تعيد أوروبا كسب ثقة الأسواق، لكن أولا يتعين علينا كسب ثقة مواطنينا. ولهذا دعيت إلى استفتاء في اليونان، وذلك حتى يتمكن الناس من النقاش وتقرير مستقبلهم بأيديهم.
ستعطي الديمقراطية والتعليم قدرات جديدة لمواطنينا، وهذا في النهاية سيمكن أوروبا ويعيد تأكيد شرعيتها في مجتمعاتنا وحول العالم.
يوجد خيار لنا في هذا الأمر. فإما أن نعزز قوة أوروبا ومواطنيها، ونصبح محفزين لأنسنه اقتصادنا العالمي، أو ستقوم العولمة بنزع صفة الإنسانية عن مجتمعاتنا وتقوض المشروع الأوروبي. وبوصفي مواطن من أوروبا، فإنني أصوت للخيار الأول.
الإرادة تجنب أوروبا الآلام
أكدت خبرتي حديثة العهد في التعامل مع الأزمة المالية في اليونان وأوروبا، إيماني بأنها أزمة سياسية اكثر منها أزمة مالية.
وانا مقتنع أنه بالإرادة السياسية كان يمكن تجنب كثير من الآلام، والقضاء على مخاوف الأسواق، والحفاظ على استقرار اليورو، وفي الوقت نفسه إصلاح الاقتصادات المريضة غير المستدامة، مثل اقتصادنا اليوناني.
وعلى الرغم من ضجيج وسائل الإعلام الذي أفاد بعكس ذلك، إلا أن الشعب اليوناني كان أولا وأخيراً في طليعة الراغبين بهذا التغيير.
لكننا سمحنا، بدلا من ذلك، لمشاعر الخوف وعدم الثقة في التغلب علينا. والخوف يجلب المزيد من الخوف وعدم اليقين.
ولجأنا إلى الشتائم بدلا من اعتماد التفاهم.
وبدلا من قيام مؤسساتنا بعمل جماعي شفاف، انتقلنا إلى وضع، حيث قوضت عملية صنع القرار المؤقتة بين الحكومات الطريقة التي يعتمدها المجتمع، مع ترجيح خطير في ميزان القوى لكفة الدول الأعضاء ذات الحجم الكبير.
ونقوم الآن بتطبيق جرعة مفرطة من التقشف، التي تتعامل مع العوارض أكثر، وبدرجة أقل مع الأسباب الجذرية لمحن أوروبا الاقتصادية، بدلا من اعتماد الإصلاحات الحقيقية الضرورية والمسؤولية المالية.
وبدلا من مكافأة الجهود الجبارة التي نبذلها، فإنه يجري إدانتنا على النواقص.
وأكثر من أي شيء آخر، قوض هذا المناخ السياسي جهودنا المشتركة للتعامل مع الأزمة المالية الحالية.
وبغض النظر عما إذا كان الأمر يتعلق بالمصارف أو الحكومات، فلقد تبنينا موقفا سلبيا يكاد يكون منهزما، نخفيه تحت عباءة لغة "الحذر والمسؤولية".
أسس جديدة
لا يوجد أي خطأ في تنازل الدول الأوروبية عن السيادة لصالح أوروبا أقوى. لكن فيما نحن نقوم بذلك، نحتاج إلى إعادة النظر في كيفية انتخاب ممثلينا في الاتحاد الأوروبي وفي كيفية اتخاذ القرارات. ورئيس للاتحاد الأوروبي منتخب من قبل برلمان أوروبي (أو حتى رئيس منتخب بشكل مباشر)، واستفتاءات واسعة النطاق على مستوى أوروبا، وأشكال من المشاركة الأكثر مباشرة من قبل المواطنين، واستخدام لوسائل الاتصال الاجتماعي، هي أفكار ناضجة يمكن البحث فيها.
وهذه أوروبا الجديدة، كما أراها، لن تكون نتاج قرار واحد عظيم، تفرضه أقلية نخبوية من البلدان القوية أو بيروقراطيون مجهولون في بروكسل. خطوات صغيرة تراكمية، حيث الواحدة مكملة للأخرى، يقوم بها كل منا على نحو فردي وجماعي، سيؤسس القيم والأسس التي نريدها لأوروبا.

