ألم يحن الوقت بعد للقيام بتحليل للتكاليف والفوائد المترتبة على تورط أميركا في الشرقين الأوسط والأدنى؟ في هذا القرن وحده خضنا غمار الحربين الأطول في التاريخ الأميركي هناك، وألقينا بكامل ثقلنا المعنوي وراء "ربيع عربي" أسقط حلفاءنا في تونس ومصر واليمن، وقدمنا الدعم الجوي الذي أنقذ بنغازي وأدى إلى سقوط الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

وعلى الرغم من ذلك، فقد تعرضت السفارات الأميركية للحصار في تونس ومصر واليمن، وقـُـتل دبلوماسيون أميركيون في بنغازي.

تمثلت تكلفة حربينا في 6500 قتيل و40 ألف جريح وتريليوني دولار تراكمت على الدين القومي الأميركي البالغ 16 تريليون دولار. أي أكثر من الاقتصاد الأميركي بكامله. وما الذي حصلنا عليه بالمقابل؟

إننا نواجه كراهية لأميركا تمتد من المغرب إلى باكستان، وقد أصبح مشهد تمزيق الأعلام الأميركية إربا، وإحراقها من قبل جموع حاشدة، مشهدا مألوفا هناك إلى حد يبدو أننا قد اعتدناه تقريبا.

أسباب الكراهية

ما جذور تلك الكراهية لأميركا من جانب العرب والمسلمين؟ لقد مضى بعض المحللين العرب إلى الإشارة إلى ثلاثة أسباب في هذا الصدد؛ أولها وجود القوات الأميركية على أراض عربية تحظى بتقدير استثنائي، وثانيها العقوبات الأميركية التي فرضت على العراق، والتي قيل إنها أدت إلى وفاة نصف مليون طفل عراقي، وهم لم يشبوا عن الطوق بعد.

وثالثاً الدعم الأميركي لإسرائيل التي ينظر إليها في العالم العربي على أنها غرسة استعمارية استهدفت إذلال العرب وسلب الفلسطينيين حقهم في إقامة دولة لهم.

وقد ظهرت أخيرا أسباب جديدة لكراهية العرب والمسلمين لأميركا، أولها ما ينظر إليه بعض المسلمين المتشددين على أنه الثقافة الأميركية المفتقرة للأخلاق، والتي يرون فيها تهديدا لمجتمعاتهم ولشبابهم، والسبب الثاني هو أن أميركا والغرب يعمدان إلى استفزازهم وإذلالهم بالإساءة إلى الإسلام.

وبينما لم يعد هناك وجود للقواعد الأميركية في الأراضي العربية المشار إليها، وانسحب معظم القوات الأميركية من العراق، ورفعت العقوبات المفروضة على بغداد، فإن أميركا لن تغير جلدها لإرضاء منتقديها.

إن دعم إسرائيل هو موقف معلن من جانب الحزبين الأميركيين، وعلى الرغم من أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قد وصفت محقة الفيلم المسيء إلى الإسلام أخيرا بأنه مقزز ومثير للاشمئزاز، فإننا لن نغير التعديل الأول للدستور الأميركي الذي يحمي حرية التعبير عن الرأي.

ومع ذلك، فإن هناك مئات الملايين من المسلمين على امتداد العالم الذين ينظرون إلى دينهم باعتباره أثمن ما لديهم ، فهم يحيون به، وسيموتون من أجله، وعدد لا يستهان به منهم مســتعد للقتل دفاعا عنه. وهناك آخرون سينتهزون فرصة الإهانات الحقيقية أو الوهمية التي توجه إلى ذلك الدين لإثارة الجماهير لنفينا من عالمهم.

وبعض الأميركيين سيحققون لهم ما يريدون باستخدام الكتب والأفلام وشرائط الفيديو للإساءة إلى الإسلام. وهكذا فإننا بإزاء صراع لا سبيل إلى حسمه.

تشدد واسع

يشهد العلم الإسلامي، وبصفة خاصة على امتداد المنطقة العربية، تحولا أو يقظة كبرى، والمسلمون من نيجيريا إلى مالي إلى إثيوبيا إلى السودان إلى المغرب، والشرقين الأوسط والأدنى يزدادون تشددا وعداء للغرب.

ربما كانت أفضل سبل للتحرك بالنسبة إلى أميركا هي ما يلي:

1- أن نقلل من حضورنا في تلك المنطقة ونعيد معظم دبلوماسيينا وقواتنا إلى أميركا، وندع هؤلاء الناس يشكلون مصيرهم بأنفسهم.

2- في ضوء التكاليف والتبعات المترتبة على حربي أفغانستان والعراق والتدخل الأميركي، فإن أميركا ينبغي لها أن تدع السوريين يسوون حربهم بأنفسهم.

3- ينبغي للولايات المتحدة إبلاغ مصر أن عدم توفيرها للأمن في السفارة الأميركية في القاهرة كان أمرا مؤسفاً، وأننا إذا لم نستطع أن ننظر إلى الحكومة المصرية باعتبارها حكومة صديقة تربطنا بها مصالح مشتركة، فإننا لن نتردد في إيقاف الدعم المقدم لها وتحذير الأميركيين من السفر إلى مصر.