تتسم جميع الحروب بالترديات التاريخية، وفي سوريا كان هناك العديد منها، ولكن الفترة الماضية وفّرت موجة مذهلة منها، بالتأكيد أكثر من أي وقت مضى منذ بدء الانتفاضة ضد حكم الرئيس السوري بشار الأسد التي بدأت في مارس 2011.

وإذا كانت هناك أية شكوك بالنسبة للطبيعة الطائفية للحرب الأهلية في سوريا، فإن انشقاق رئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب، إلى الجيش السوري الحر المعارض، لا بد وأنه وضع حداً لها. و حجاب، مثل جميع المنشقين من ذوي المناصب الرفيعة في الآونة الأخيرة، هو مسلم سني. وتصل نسبة السنة في سوريا إلى نحو 75%، والمتمردون السوريون هم من الأغلبية السنية.

والحكومة بقيادة بشار الأسد، في الوقت نفسه، يهيمن عليها العلويون وهم طائفة الأقلية الشيعية التي تمثل حوالي 14% من سكان سوريا. (وهناك حوالي 10% من السوريين من المسيحيين، حيث ينظر إليهم كطرف محايد في هذا الصراع).

طفرة كبيرة

ولم يكن حجاب وحده. فقد شهدت أعمال العنف في سوريا طفرة كبيرة في الأسابيع الأخيرة، حيث أضافت الانشقاقات بين كبار المسؤولين إلى الشعور بأن سقوط النظام يزداد ويتسارع. وبعد أشهر من العنف المتصاعد تدريجياً.

لكن عددا قليلا نسبياً من حالات الانشقاق في المستويات العليا من الحكومة، اختفى مناف طلاس، وهو عميد بارز وصديق شخصي قديم للأسد، والذي كان قد ساعد على دفع الأمور في اتجاه جديد. و قد أعقب هذا انشقاق السفير السوري إلى العراق نواف الفارس، وبعد ذلك انشقاق دبلوماسيين و مبعوثين آخرين في دول خليجية وقبرص.

ومما زاد الشعور بكارثة مضاعفة ما حدث من تفجير هائل في دمشق، في شهر يوليو الماضي لاجتماع فريق الأمن القومي في سوريا، الذي أودى بحياة أربعة من أقرب مساعدي الأسد، بمن فيهم نائب وزير دفاعه وصهره آصف شوكت.

وتزامن التفجير مع هجمات الثوار التي لم يسبق لها مثيل في دمشق و حلب. وفي كلتا المدينتين، اللتين كانتا واحتين للهدوء النسبي حتى حدوث التفجير، استمر القتال العنيف منذ ذلك الحين. و بعد سحق معاقل الثوار في العاصمة دمشق، حوّلت قوات الأسد انتباهها إلى حلب.

وفي الآونة الأخيرة، بدأ عدة آلاف من الجنود، برفقة دبابات وطائرات مقاتلة، هجوماً مضاداً لاستعادة السيطرة على المدينة. وأخيراً، و في علامة أخرى على حدوث تطور مفاجئ، أعلن كوفي عنان استقالته من مهمته كوسيط للأمم المتحدة في سوريا.

انهيار أسطورة القوة

وتعرضت هالة النظام الذي لا يقهر للتقويض بشكل عميق. وتخلى الأسد نفسه عن ادعائه بأنه لا يمكن قهره وظهر عمليا كصوت بلا جسد في حفنة من عمليات البث، أو كما فعل، أخيراً، عندما ظهر في مقطع فيديو مسجل مسبقاً يظهر فيه وهو يجري لقاء رسمياً مع سعيد جليلي رئيس وكالة الأمن القومي الإيرانية، وهو يعتبر أول ظهور له على شاشة التلفزيون خلال أسبوعين.

(وعلى الرغم من ذلك، فإن من يقولون إن اختفاء الأسد يدلّ على أن نظامه قد انتهى، فمن الجدير بالذكر أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين نجح في الصمود لفترة بطريقة مماثلة، و نادرا ما كان يظهر في مناسبة عامة، وذلك في أعقاب حرب الخليج الأولى في عام 1991، و حتى الإطاحة به في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003).

وقبل التيار الحالي من الانشقاقات، ساد يقين بين المحللين بأن الثورة السورية ضد بشار الأسد تعرقلت بسبب عدم وجود أي تصدعات واضحة في المناصب القيادية.

وبالمقارنة مع ليبيا، حيث بدأ كبار المسؤولين في نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في الفرار على الفور تقريبا، الأمر الذي منح المعارضة في ذلك البلد مجموعة من الشخصيات التي كانت قادرة بما فيه الكفاية على تشكيل المجلس الوطني الانتقالي، فإن جهود سوريا الرامية إلى تشكيل قيادة للثورة كانت باهتة وغير كافية.

وقد بدأ هذا يتغير أخيراً، على الرغم من الهوى الطائفي للنظام و للمعارضة يجري تأكيده من خلال الانشقاق.

لم تنضم كبار الشخصيات من العلويين للجيش السوري الحر، و ربما يساورنا الشك بأنه عند هذه النقطة قد يكون هناك القليل منهم في الطريق.

فماذا بشأن السنة المنشقين؟ أنهم مسؤولون انتهازيون، للمرء أن يخمن ذلك، و الأشخاص الذين كانوا، حتى الآن، سعداء بالتخلي عن مخاوفهم الأخلاقية، انطلاقاً من مناصبهم الرسمية في السلطة والنفوذ داخل النظام، في الوقت الذي يقترب عدد القتلى في سوريا من العشرين ألف قتيل.

ربما يكون الأمر بالنسبة للبعض أنه يتعلق بشكل أقل بالانتهازية من مسألة الأمن، وربما بلغ الأمر داخل المناصب الرسمية نقطة مفادها أن أي شخص سني مشتبه به، و أصبحت الحياة بالنسبة لهم لا تطاق.

أسس طائفية

و أياً كانت الحال، فمن الواضح بما يكفي أنه أياً كان الأمر عليه من قبل، فإن الصراع في سوريا يتم خوضه على أسس طائفية. ويصدق الشيء نفسه على الروابط الإقليمية المتسعة الآخذة في التشكّل.

و في الوقت الذي يحظى الأسد بدعم حلفاء أكثر قرباً و صموداً في المنطقة، فإن السنة المعارضين في سوريا يجدون داعمين رئيسيين. هناك، بطبيعة الحال، بعد جيو استراتيجي لهذا الوضع أيضا، وهو أن روسيا و الصين تقف وراء الشيعة، بينما تقف الولايات المتحدة وراء السنة.

مواجهة دولية

 

ماذا يعني كل هذا الانحياز لطرف دون آخر؟ إنه يعني أنه أياً كان ما يحدث من شئ آخر داخل سوريا، و سيكون قبيحاً يقيناً و ينطوي على قدر كبير من القتل، فإن هناك أيضا مواجهة دولية جارية. وفي النهاية، قد تتحول سوريا إلى أن تكون مناوشة بدلاً من أن تكون صراعاً أوسع نطاقاً، وهو ما يخشاه البعض. لكن يبدو من المحتمل أن تتجه سوريا لتكون نقطة تحول تاريخية.

و أياً كانت الطريقة التي ستمضي بها الأمور، بعد سوريا، فإننا ربما نتحدث علناً عن حرب باردة جديدة، مع خطوط المعركة الدولية الموضوعة تقريبا كما هي اليوم في جميع أنحاء سوريا، و مع صراعات جديدة بالوكالة لم تحدث بعد.