جاء بروز المرشحين الرئيسيين المصريين دكتور محمد مرسي، والفريق أحمد شفيق، في الجولة الأولى من الانتخابات المصرية، مفاجأة للكثيرين، فقد كانت مؤشرات عديدة تؤكد أن الأول يحتل المرتبة الرابعة بين المرشحين المتسابقين، ويحتل الثاني المرتبة الخامسة.
وقد أدت التطورات إلى بروز أسئلة على جانب كبير من التعقيد، وفي مقدمها، هل نتيجة الجولة الأولى هي أفضل طريقة للتعبير عن الثورة في مصر؟ أم أن هذه المعركة على الرئاسة لا تعدو أن تكون قمة جبل الجليد الأكثر عمقاً بكثير الخاص بالثورة؟
هناك نوعان من إساءة الفهم يكمنان في المناقشة حول هذا الوضع بمجمله، الأول هو أن مقياس نجاح الثورة يكمن فحسب في مجال السياسيات المؤسسية وتطور الآليات الديمقراطية بداخلها، والثاني هو أن ميدان التحرير وما لقب بشباب الـ «فيس بوك» الذين اعتصموا بالميدان في يناير وفبراير 2011، هما الفضاء الوحيد الذي يضغط على المجال الرسمي، وأنه قد تم استبعادهما.
هذا الزوج من إساءة الفهم أدى إلى إفراز سياق يناسب العديد من النخب في الداخل والخارج على السواء، لأنه يبقي على طاقة الثورة داخل ضوابط آمنة نسبياً، وإذا كان الهدف النهائي للثورة هو إقامة مؤسسات «تمثيلية»، وإذا كان التقدم الثوري يمكن قياسه على امتداد مقياس خطي مع وجود الأنظمة الأوتوقراطية العربية عند طرف المقياس، والديمقراطية الغربية عند الطرف الآخر، فإن ملامح التغيير السياسي الذي فرضته الانتفاضات العربية يمكن ضغطه في إطار ديناميكيات القوى العالمية الموجودة حالياً، وتدعيمها في غمار ذلك.
وفي حقيقة الأمر، فإن منظور الثورة المصرية أوسع نطاقاً من ذلك بكثير، ويفرض تحدياً أقوى لتمثيل نظم السيطرة الاقتصادية والسياسية.
وهذه الطاقة هي على وجه الدقة التي يخشاها حقاً أولئك الذين يستفيدون من الوضع القائم، ابتداء من الحكومات الغربية، وحتى الشركات متعددة الجنسيات. فلا عجب إذاً أن تندفع كيانات وأقنية عالمية، يعبر عنها كل من هيلاري كلينتون، وديفيد كاميرون، وصولاً إلى مورغان تشيز، وجنرال إلكتريك، للحديث عن ميدان التحرير بكثير من التقدير، طالما أن مطالب هذا الميدان لا تتجاوز ما تحدده القوى الغربية له.
يحظى الانقسام الإسلامي - العلماني بكل الاهتمام، ولا شك في أنه مهم، ولكنه لا يعدو أن يكون واحداً من حقوق الانقسام العديدة، وهو خط انقسام يناسب الكثيرين التوقف عنده، حيث إنه ينحي جانباً بذكاء الأصداء العميقة للسخط التي تتواصل عملية التعبير عنها في أعماق مصر، وطالما أن الطروحات الأساسية لمدرسة شيكاغو الاقتصادية فيما يتعلق بمصر تظل ثابتة، فإن الرجال ذوي اللحى في مواجهة النساء السافرات، يشكلون انقساماً سياسياً يسعد صانعي السياسات الغربيين والنخب السياسية المصرية التعامل معه.
ولكن ما يحرص هؤلاء، بشكل أقل على الإقرار به، لأنه يحمل الثورة إلى خارج حدودها المفترضة، يتمثل في القوى الموجودة على هامش المجتمع المصري، والتي لا تندرج هيكلياً فيه.
لا يتعين عليك السير بعيداً للغاية عن ميدان التحرير لتجد هذه الانقسامات الاجتماعية، وهي انقسامات لا يتم إبرازها عبر صور محطات التلفزيون الفضائية، ولكنها تظل عميقة ومتزايدة، وتفاقمها المظالم التي لا يعرف أي من المرشحين الرئاسيين كيف يحسمها في داخل الأجهزة السياسية والاقتصادية الموجودة بالفعل. فهناك جزر من التجمعات السكانية غير الرسمية التي تتعدد على امتداد نهر النيل، والتي يصارع سكانها قوى الأمن لتجنب طردهم من أماكن سكناهم.
وما عليك إلا أن ترحل شمالاً مع نهر النيل وصولاً إلى دمياط، لتجد المصريين الذين يغلقون الميناء ويواجهون الدبابات احتجاجاً على التلوث الصادر عن مصنع كيميائي قريب مملوك للأجانب.
ويمكنك الإبحار جنوباً إلى قنا التي يحتل أبناؤها خطوط السكك الحديدية، وهددوا بقطع إمداد الكهرباء من السد العالي إلى الشمال.
ومن أولئك الذين توظفهم الدولة مباشرة مثل مجندي الأمن المركزي الذين تمردوا أخيراً، إلى من يتم إبقاؤهم خارجها، مثل تجمعات البدو على الساحل الشمالي، فإن المصريين يؤكدون سيطرتهم على تجمعاتهم وحياتهم ومستقبلهم.
فلنضع جانباً كل الضجيج الذي صاحب الحملات الانتخابية، وسوف نجد الثورة في كل مكان، ونكتشف أنها تتمتع بالقوة، وهي تشمل الطبقات المتوسطة المتعلمة، وكذلك الفقراء في الريف والحضر، وبينما تعقد بعض الشرائح تحالفات مؤقتة أو استراتيجية مع العديد من القوى السياسية، ابتداء من الإسلام السياسي، وحتى فلول نظام مبارك، فإنه على المدى الطويل يعني عجز تلك القوى عن صياغة لغة تغير أصيلة، دع جانب تحقيق هذا التغير - يعني أن الحشد السريع للاحتجاجات في الشوارع يظل طبقة سيئة وأدنى.
لقد سئل الناشط المصري على عبد الفتاح ذات مرة عما إذا كان يود رؤية الثورة في بلاده وهي تكرس نظاماً بريطانيا، أي برلمانياً، للديمقراطية الليبرالية، أو نظاماً أميركياً، أي رئاسياً، فكان رده: «لست أريد أياً منهما، فنحن نريد شيئاً أفضل منهما كليهما».
نواة الانشقاق
خلافاً للاعتقاد السائد، فإن مصر كانت نواة للانشقاق المتطرف على امتداد تاريخها، وكانت كذلك قبل وقت طويل من انفجار الانتفاضة ضد نظام مبارك، وما عليك إلا أنت تسأل سكان كفر الدوار، وهي معقل لانتفاضة لا يكاد أحد يذكرها حدثت عام 1984. أو فلاحي سراندو الذين قاموا عام 2005 بمحاربة العصابات المسلحة ورجال شرطة مكافحة الشغب الذين حاولوا الاستيلاء على أرضهم الزراعية وفقاً لقانون أصدرته حكومة مبارك، والفارق حالياً يكمن في أن من يحاولون إحداث التغيير الآن يعرفون أن رياح الثورة تهب إلى جانبهم، وهم يحولون ما كان يمكن أن يكون اهتمامات محلية إلى هجوم مستمر وجماعي على الوضع القائم.
