تصعّد الولايات المتحدة جهودها لإنشاء النظام الدفاع الصاروخي الخاص بها، والذي يقوم على عنصرين رئيسيين. العنصر الأول هو درع الصواريخ الاعتراضية البرية و البحرية من طراز إس إم3، والتي سيتم نشرها في أوروبا، عند مرحلة ما في المستقبل في آسيا. والعنصر الثاني يتألف من عدد محدود من دروع الصواريخ الأرضية ذات الطاقة العالية، والتي جرى نشرها بالفعل في الولايات المتحدة.

والغرض الرئيسي من هذا النظام على الصعيد الرسمي هو التصدي للصواريخ البالستية المحتملة العابرة للقارات وتهديدات الصواريخ متوسطة المدى من قوى إقليمية ومن كوريا الشمالية. ويقال إن هذا النظام لا يستهدف الصواريخ متوسطة المدى من روسيا أو الصين. و دائماً ما تقول واشنطن إنها تبني نظاماً دفاعياً صاروخياً محدوداً لا يعرض للخطر قدرة الردع النووي للدول النووية الأخرى.

وليس هناك شك في أن نظام الدفاع الصاروخي الأميركي في شكله الحالي لا يشكل تهديداً للقدرات النووية الاستراتيجية لروسيا. كما أنه لن يشكل مثل هذا التهديد في غضون السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة.

ويتسم عدد الصواريخ الاعتراضية التابعة لوزارة الدفاع الأميركية بأنه محدود. وكذلك قدرته على اعتراض الأهداف عالية السرعة مثل الصواريخ البالستية عابرة القارات. ولهذا السبب فإن هذا النظام لا يمكن أن يعترض أي عدد كبير من الصواريخ البالستية الروسية العابرة للقارات. يمكن ألا تزيد على الأرجح قدرة الثلاثين صاروخاً الاعتراضية الأرضية ، والتي سبق نشرها في الولايات المتحدة، عن تدمير سبعة أو ثمانية صواريخ عابرة للقارات أحادية الرؤوس، مثل الصواريخ من طراز توبول أو توبول-إم.

على الأرجح، فإن الصواريخ الاعتراضية من طراز إس إم-3، التي سيتم نشرها في أوروبا، تفتقر إلى أية قدرة ضد الصواريخ العابرة للقارات والرؤوس الحربية الملحقة بها وذلك في المراحل المتوسطة و النهائية من مسارها. ومن الممكن أن يكون لصواريخ إس إم-3 بلوك آي بي الاعتراضية، التي من المقرر نشرها في عام 2015، بعض القدرة على التصدي للصواريخ العابرة للقارات، وخصوصاً خلال المرحلة النهائية، ولكن الأرجح ستكون هذه القدرات محدودة. لكن خلال الفترة بين عامي 2020 و 2025، تخطط الولايات المتحدة لنشر نحو مئتي صاروخ من طراز إس إم-3 بلوك آي بي الاعتراضية، والتي سوف تكون قادرة على استيعاب حوالي 50 رأسا حربيا.

وعلى الرغم من أن نظام الدفاع الصاروخي الأميركي يعتبر، في المدى القصير، موجهاً ضد الدول المارقة، فإنه من الواضح أن ذلك ليس سوى نصف الحقيقة. والأهداف الحقيقية من وراء برنامج الدفاع الصاروخي واسع المدى هي أكثر طموحاً من ذلك بكثير.

ويتمثل السبب الأوسع نطاقا وراء البرنامج الأميركي طويل الأمد الخاص بالدفاع الصاروخي في رغبة واشنطن في جعل الولايات المتحدة آمنة تماماً ضد جميع الهجمات الصاروخية. ويعتبر هذا التطلع لتحقيق حصانة كاملة شيئاً مندرجاً في صلب استراتيجية واشنطن للأمن القومي.

بعدما طوّر الاتحاد السوفييتي السابق قدرة صاروخية استراتيجية في أوائل عقد الستينات من القرن الماضي، انتهت فجأة فترة الحصانة الكاملة للولايات المتحدة ضد هجوم نووي. وجاء ذلك بمثابة صدمة كبيرة للنفسية الأميركية ونظرة العالم إلى أميركا، ولا تزال الولايات المتحدة لم تتغلب بعد على آثار تلك الصدمة. وليس من المستغرب أن يستهدف الاستراتيجيون السياسيون والعسكريون الأميركيون دائماً استعادة الحصانة المطلقة التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة يوماً ما. ذلك أمر ممكن إذا طورت الولايات المتحدة تقنيات متقدمة للدفاع الصاروخي.

تأكيدات جوفاء

ولهذا السبب تعتقد موسكو أن كل تأكيدات الولايات المتحدة بأن نظام دفاعها الصاروخي لن يكون موجهاً ضد روسيا هي تأكيدات جوفاء وسخيفة. فكيف يمكن أن تؤخذ على محمل الجد إذا كان الهدف الأساسي لجميع برامج الدفاع الصاروخي الأميركية هو تحقيق دفاع كامل عن الأراضي الأميركية ضد جميع الضربات الصاروخية النووية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يتعارض مع قدرة روسيا النووية الاستراتيجية في نهاية المطاف.

وبناء على التوقعات الحالية، فإن نظام الدفاع الصاروخي الأميركي يبقى محدوداً لمدة 20 عاماً أخرى. وتشير التقديرات إلى أنه خلال تلك الفترة فإن النظام سوف يفتقر إلى أعداد وخصائص الأداء لكي يشكل أي تهديد حقيقي على القدرات الاستراتيجية النووية الروسية. لكن بعد عام 2030، فإن حجم النمو و تحسين أداء الدرع الصاروخية الأميركية سوف يلقي بضغوط شديدة على القدرات النووية الاستراتيجية لروسيا.

قدرة ردعية

وتعتبر روسيا أن الحفاظ على قدرة الردع الاستراتيجية النووية بمثابة ضرورة مطلقة لأمنها القومي في مواجهة القوة العسكرية و الاقتصادية الشاملة للولايات المتحدة وحلف ناتو والصين. وامتلاك روسيا قدرات استراتيجية نووية من شأنه أن يحافظ على مكانتها كقوة عظمى، فضلاً عن كونها قوة توازن كبرى في مواجهة القدرات العسكرية للقوى العالمية الأخرى. و الترسانة النووية الروسية تجعل من الممكن اتباع سياسة الردع العسكري من دون الإبقاء على جيش كبير و تقليدي مكلف. وأخيراً، فإن قوة الردع النووي الخاصة بروسيا تعد بمثابة ضمانة بأنها لن تنجرّ إلى نزاع مسلح ضد إرادتها. ولهذا السبب يعتبر تطوير برنامج صاروخي دفاعي أميركي في المدى البعيد تهديداً لأسس الأمن القومي لروسيا.

غير أنه في الوقت نفسه، تفتقر روسيا إلى أي أدوات حقيقية لمنع الولايات المتحدة من تنفيذ خططها للدفاع الصاروخي، أو حتى إبطاء التقدم الذي تحرزه على هذا الصعيد. هناك توافق كبير بين كثير من الأميركيين و في داخل المؤسسة السياسية الأميركية بأنه يتعين على الولايات المتحدة أن تحقق أقصى مستوى من الأمن الكامل في مواجهة كل الهجمات الصاروخية، بما في ذلك التهديدات التي يمكن أن تشكلها روسيا والصين. أمن مطلق

 

ليس لدى موسكو ما تقدمه لواشنطن في مقابل التخلي عن سعيها للحصول على الأمن المطلق من خلال نظام الدفاع الصاروخي. ولا ننسى قمة عام 1986 التي انعقدت في ريكيافيك في أيسلندا، عندما عرض الزعيم السوفييتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف على الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان نزع السلاح النووي الكامل في مقابل التخلي عن مبادرة الدفاع الاستراتيجية، والتي كانت عبارة عن برنامج هائل لريغان للدفاع الصاروخي على مستوى العالم. ولم يكن غريباً أن يرفض ريغان العرض.