المجاعة لها معان فنية متخصصة هذه الأيام، ويعلن عن وجودها، في الغالب، عندما يصاب 30% من الأطفال بسوء التغذية الحاد، ويكون 20% من السكان من دون غذاء، وعندما تبلغ أعداد الوفيات بين الراشدين مستوى 2 من كل 10 آلاف راشد، وأعداد الوفيات بين الأطفال 4 من أصل 10 آلاف طفل يوميا، وهناك أجزاء من الصومال تتخطى عتبة هذه المؤشرات الرهيبة، ويقول برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إن حوالي ثلث السكان في ثلاث مقاطعات مصابون بسوء التغذية الحاد.
وكانت «شبكة أنظمة التحذير المبكر للمجاعة» الأميركية قد قامت بمسح عبر جنوب الصومال أخيرا، ووجدت ان سوء التغذية يتخطى 38% في معظم المناطق، وهذا معدل كارثي، ومن المتوقع ان تنتشر المجاعة في مجمل جنوب الصومال خلال الأشهر القليلة المقبلة، ويعتقد ان حوالي 2.8 مليون نسمة سيكونون بحاجة إلى مساعدة إنقاذ فورية لحياتهم.
لكن المجاعة لم يعلن عنها إلا في يوليو الماضي، أي بعد ثمانية شهور من التوقعات الأولية لـ«شبكة أنظمة التحذير المبكر للمجاعة». ولم تقم الأمم المتحدة بإصدار أول نداء إغاثة إلا في ذلك الوقت، على الرغم من قيامها برصد اعتمادات صغيرة توقعاً لمشكلات محتملة في نوفمبر من السنة الماضية.
وقد كان تجاوب المانحين مع النداء غير منتظم، لكن البرازيل تعهدت بأن تقدم للصومال ما يتجاوز ما تقدمه ألمانيا وفرنسا مجتمعتين، في إشارة إلى دورها المتنامي عالمياً، ولم تمنح إيطاليا أي مساعدة. وتقول الأمم المتحدة إنه من اصل ملياري دولار تحتاج المنطقة إليها، فإنها تلقت أقل من نصف هذا المبلغ، والأموال المتوافرة للغذاء في جنوب الصومال من المرجح أن تنفد قبل موسم هطول الأمطار بفترة طويلة.
مخاوف خارجية
وترتبط المخاوف الخارجية بدور ميليشيا «الشباب»، التي تسيطر على معظم جنوب الصومال، وتقوم منذ عام 2009 بحظر المساعدات الغذائية في تلك المناطق، حيث تتهم وكالات المساعدات الغربية بالعداء للإسلام، وكان 14 شخصاً من طاقم العمل الخاص ببرنامج الغذاء العالمي، وهو اكبر ممون للمساعدات الغذائية، قد قتلوا في الصومال منذ 2008.
لكن الأمور قد تكون في طور التغيير، حيث قامت قوافل برنامج الغذاء العالمي أخيرا بالتوجه إلى غيدو القريبة من الحدود الكينية، حيث معدلات سوء التغذية تتخطى الـ50%.
بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع ألا تعترف الحكومة الأثيوبية بوجود مجاعة في البلاد، لأن هذا يعني فشلها في معالجة المشكلة منذ عام 1985. ولقد استجابت حكومتا أثيوبيا وكينيا ببطء للضغوط الشعبية، حيث أن معظم الذين ضربتهم المجاعة هم من أصول صومالية، أو رعاة ماشية رحل، أي مجموعات هامشية في البلدين تتمتع بنفوذ سياسي ضئيل.
أما المانحون الغربيون والمنظمات غير الحكومية فقد كان بإمكانهم القيام بدور افضل. وتقول «شبكة أنظمة التحذير المبكر للمجاعة» إنها توقعت المجاعة، لكن لم يحصل أي تحرك إلا بعد ظهور كاميرات التلفزة بصور لأطفال جوعى، وهم يصلون إلى مخيم اللاجئين الكيني الضخم في داداب بأعداد غفيرة. ولدى مسؤولي المساعدات قلق من أن يتم انتقادهم من قبل الجمهور ورؤسائهم إذا ما صرفوا الموارد الضئيلة المتاحة قبل ان يبدأ الصراخ، ونتيجة لذلك، فإنه غالباً ما يتجاهل المانحون التحذيرات المبكرة.
خسائر مروعة
ويقول برنامج الغذاء العالمي إن 5-10 آلاف شخص قد يموتون من المجاعة في جنوب الصومال قريباً. وإذا ما استمرت المجاعة حتى موسم هطول الأمطار القادم، فهذا يعني ان 100 - 200 ألف شخص هم في نطاق الخطر، وتشكل هذه خسائر مروعة، إلا أنها تقل عن أعداد الذين توفوا في المجاعة الأثيوبية عامي 1984-1985 والتي وصلت إلى نحو مليون شخص، والفارق بين الحالتين لا يتعلق بمدى حدة الجفاف، بل بما قامت به الحكومات المحلية ووكالات الإغاثة في سبيل زيادة وتعزيز مرونة الناس في التعامل معه.
فخلال السنوات القليلة الماضية، كانت الحكومة الأثيوبية وبرنامج الغذاء العالمي وغيرها، تدير برامج للتخفيف من الجوع، وكانت لا تكتفي بمنح مساعدات غذائية فحسب، بل أيضا تساعد في تحويل الأرض البور إلى أراض منتجة.
وتقول رئيسة برنامج الغذاء العالمي إنه نتيجة لهذه البرامج تراجع عدد الذين يعانون من الحالات الطارئة إلى الثلث في أثيوبيا. وكانت كينيا قد أبقت على برنامج «الوجبات المدرسية» في المناطق التي يصيبها الجفاف.
وفي شرق أوغندا كانت المجاعة قد أدت إلى تدمير منطقة كاراموجا عامي 1984-1985، والتي تتشارك المناخ نفسه مع الصومال وأثيوبيا، لكن منطقة كاراموجا كانت لديها العديد من مشاريع «المساعدات الغذائية وغيرها» وهي الآن ليست على لائحة برنامج الغذاء العالمي لمناطق الحاجات الطارئة. أما الصومال فلديها عدد محدود من هذه البرامج، والمستفيدون منها قليلو العدد، وهم يسيرون مئات الأميال للوصول إلى مراكز توزيع المواد الغذائية.
وبالإضافة إلى الخسائر في الأرواح، فإن للأمر انعكاساً على كلفة المساعدات. فعندما هددت المجاعة النيجر في عام 2005، كانت كلفة المساعدة في حدود 7 دولارات لكل فرد. لكن عندما ضربت المجاعة، وصلت الكلفة الى 23 دولاراً لكل فرد. وتدعو الحوافز الاقتصادية وأنظمة الإنذار المبكر المانحين إلى التحرك في وقت باكر، لكن الحوافز السياسية توصي بالتأخير، إلى أن يفوت الأوان.
