في زحمة الحياة اليومية الداهمة والهموم التي لا تعدّ ولا تحصى، يمرّ بعض اللبنانيين أمام متحفهم الوطني، في العاصمة بيروت، من دون اكتراث أو حتى انتباه لوجود صرح قديم يستقبل زائريه بعرض خمسة أعمدة رومانية ضخمة تنتصب في ساحة مقابلة لمدخله، اكتشفت في بيروت عام 1940 ووضعت مع قطعة فسيفساء أحضرت من منطقة خلدة الساحلية.
وهي تعود لكنيسة بيزنطية من القرن الخامس الميلادي. ومن منطلق الإيمان أن المحطات المضيئة لا تُنسى لمن يتذكر، صمّم القيّمون على المتحف موقعاً إلكترونياً جديداً لدعم عملية التعلّم وشرح المعلومات التاريخية للطلاب بطريقة حديثة، باللغتين العربية والإنجليزية، من خلال عرض تاريخ المتحف والقطع المعروضة فيه.
والبداية بإبراز صور 4 قطع أثرية أساسيّة، ناووس أحيرام ملك بيبلوس "القرن العاشر قبل الميلاد"، تمثال إلهة الشفاء هيجيا في مدينة جبيل "قبل 2000 عام"، فسيفساء الحكماء السبعة "ملهمة الفلسفة، يحيط بها سقراط ورجاله "، والتي كانت يوماً ما تزيّن غرفة الطعام في صرح روماني في مدينة بعلبك.
وجوارها تمثال مقطوع الرأس للإمبراطور الروماني هادريان الذي أمر بسجن كل من يقطع شجرة في لبنان، إضافة الى الكنز المملوكي، ومروراً بأفلام فيديو "3 دقائق" تشرح بالصوت وال صورة إكتشاف القطعة وأهميتها ، ووصولاً الى إضاءة أحرف الكتابة الفينيقية على ناووس أحيرام، فيتخيل المرء كأنه يقرأ ما كتب قبل 3000 سنة، وتبرز منحوتات الناووس المغطاة باللون الأحمر.
وبالنسبة إلى الكنز المملوكي، تأتي النصوص لتفصل عملية نحت وصقل المجوهرات الذهبية التي تبرز الفن الإسلامي. والأفلام تربوية بالدرجة الأولى، وتثقيفية ثانيا. والمبدأ معتمد في أكبر متاحف العالم، مثل اللوفر الفرنسي أو سميثونيان الأميركي، أو المتحف البريطاني.
وتعرض صفحات الموقع الأخرى القطع الأثرية حسب تسلسلها الزمني، زوّدت كل قطعة بصورة عالية الجودة، وبنص يبرز اكتشافها وأهميتها. وبصفحة "ما أعطاه المتحف الى العالم"، هناك اختصار مشاركة لبنان في تاريخ البشرية بأسطر قليلة، وكيف كان له تأثير في مجراه وتطوره، من اكتشاف الكتابة إلى الأرجوان والزجاج المنفوخ. وفي الموقع، أيضاً، صفحة متخصّصة لـ"بوتيك المتحف"، وهي صالة بيع التذكارات التي تديرها المؤسّسة الوطنية للتراث، التي تعدّ المموّل الأول لمصاريف المتحف اليومية.
نبذة تاريخية
وأنجز بناء المتحف عام 1937 وفق هندسة فرعونيّة، وأفتتح رسمياً في مايو عام 1943. وعندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، عمدت إدارة المتحف الى حماية المجموعات النادرة بتغطيتها بالباطون المسلح، ونقل قسم منها الى مصرف لبنان "البنك المركزي".
وبسبب وقوع مبنى المتحف في منطقة تماس (حينها)، دمّر القصف جدران المتحف وتداعت طوابقه وقضي على كثير من موجوداته، ما جعل عملية ترميمه وتجميع محتوياته وإعادة فهرستها مهمة صعبة تطلبت جهوداً جبّارة من فريق عمل متخصص، إذ استغرقت المهمة ست سنوات.
ويحتوي المتحف على أكبر مجموعة نواويس متجسّدة في العالم، أبرزها ناووس أحيرام وهو أقدم أثر أبجدي في التاريخ، ولكل منها رأس مختلف عن الآخر، وتعود للقرن الخامس قبل الميلاد، وتعتبر أكبر من تلك الموجودة في متحف اللوفر وفي اسطنبول..
كما يضم المتحف فسيفساء، مجوهرات، قطع نقدية، سيراميك، أسلحة تعود إلى فترة ما قبل التاريخ، والعصور: البرونزي، الحديدي، الهلنستي، الروماني، والبيزنطي، وفترة الفتح العربي حتى العصر المملوكي. وفي المتحف ثلاثة طوابق، وقاعة للمرئي والمسموع ومتجر.
أحيرام المنقذ
ومن أجل إنقاذ المتحف الوطني اللبناني، بإعادة ترميم بعض قطعه وتأهيل الطابق السفلي منه، بعدما اجتاحته مياه الأمطار والمجاري، في أكتوبر الماضي ، أطلقت "المؤسّسة الوطنية للتراث"، بالتعاون مع وزارة الثقافة "المديرية العامة للآثار" إعلاناً تلفزيونياً لا يزال يُعرض حالياً، "نجمه" أحيرام ملك بيبلوس وهو يستغيث، بحيث يصوّر الإعلان الذي إنتجته شركة كليمانتين، مبنى المتحف الوطني برمّته غارقاً تغمره المياه من كل الجوانب، وتخرج الصرخة: "يا حرام!".
ولأحيرام ناووس يعود إلى ثلاثة آلاف سنة، ويعتبر من أهم القطع الأثرية لأنه يحمل أقدم نصّ أبجدي في التاريخ، كما يعتبر وثيقة تاريخية نادرة تؤكد أن لبنان مهد الأبجدية، وتشير الى أقدم استخدام للأبجدية الفينيقية التي تعتبر أول أبجدية في العالم اعتمدت على مخارج الحروف بدلاً من الكتابة التصويرية، مثل الهيروغليفية والمسمارية.
وتؤكد نقوش ناووس أحيرام أن الأبجدية الفينيقية، بحروفها الـ22 التي استخدِمت في مدينة جبيل أو بيبلوس في القرن العاشر قبل الميلاد، وهي التي انتشرت وتبنّاها الإغريق في القرن الثامن وأدخلوا اليها التعديلات اللازمة لتدوين لغتهم.
