سجل نهار الاثنين الأخير من سبتمبر يوماً تاريخياً بالنسبة لملايين الأكراد في كردستان العراق. وقد حظيت هذه الإثنية، على فرصة التصويت لصالح استقلالها في استفتاء مثير للجدل.

ويوضح الكاتب المتخصص في العلاقات الخارجية بواشنطن، إيشان ثارور، في تحليل نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، أنه بالنسبة إلى بقية سكان المنطقة، لا يعد الاستفتاء إلا مؤشراً على انطلاق دوامة المشكلات. وقد أصدر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، بياناً، يتأسف فيه على «التداعيات المزعزعة المحتملة» للاستفتاء. أما الحكومة العراقية.

وكل من تركيا وإيران، أي البلدان الواقعة على الحدود مع كردستان العراق وذات الأقليات الكردية، فقد رفضت الاستفتاء أصلاً.

وفي التحليل الذي جاء عنوانه بـ «ماذا بعد استفتاء الأكراد»، تطرق الكاتب المرموق لإشارة مسؤولين في حكومة الإقليم، إلى أن الاستفتاء لحظة طال زمن استحقاقها. وأن الأكراد يتمتعون منذ إزالة النظام البعثي بزعامة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عام 2003، بدرجة كبيرة من الاستقلالية عن بغداد. وقد تمكنوا، بفضل الموارد النفطية من بناء مؤسسات تشكل نواة دولة مستقبلية. كما قاتلت قوات البيشمركة الكردية، عناصر من تنظيم داعش الإرهابي على الخطوط الأمامية، في مواجهات شهدت تنسيقاً وثيقاً بينهم وبين الولايات المتحدة.

ويستشعر السياسيون الأكراد، لا سيما رئيسهم مسعود بارزاني، أن اللحظة قد حانت في خضم الثورات والصراعات التي تعصف بالعراق وسوريا، للانفصال. ويرى أن حكومة بغداد بقيادة رئيس الوزراء حيدر العبادي، تبدي فتوراً تجاه الأكراد، وتعجز تقريباً عن حماية شعبها.

«التغييرات حصلت منذ حوالي 100 عام، والأكراد في موقع المتفرج»، الكلام لسامي عبد الرحمن، الممثل الأعلى لحكومة إقليم كردستان في الأمم المتحدة، الذي أعرب عن شعور الأكراد التاريخي بالحرمان، في ظل نشوء دول جديدة من بقايا الإمبراطورية العثمانية. ويضيف: «لن نقف متفرجين بعد الآن». ومن شأن التصويت بـ «نعم» على الانفصال، أن يطلق مسيرة مفاوضات، قد تفتح المجال أمام انفصال نهائي عن العراق، على حد قول عبد الرحمن.

محاولة بارزانية

وفي موقف مناهض، يرى بعض الناقدين من داخل الإقليم المقسّم، أن الاستفتاء ليس إلا محاولة من برزاني لتدعيم أسس حكمه. وقد جرت مناوشات عديدة بين الحزبين المتنافسين الأبرز على الساحة الكردية، المتمثلين بالاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير، حول الاستفتاء، إلا أنهما توصلا لاتفاق عل إجرائه في نهاية المطاف.

وتبرز الولايات المتحدة، التي قامت عبر التاريخ بدعم أكراد العراق على نحو واسع، بمعارضة الاستفتاء بقوة. إذ يخشى المسؤولون الأميركيون من أن يسهم الدفع باتجاه استقلال الأكراد، في تقويض أسس الحملة ضد داعش. ويعود بالضرر على حملة أبريل المقبل لإعادة انتخاب العبادي، الذي وصف الاستفتاء بـ «غير الشرعي».

وكانت تركيا، عبر رئيسها رجب طيب أردوغان، قد هددت بقطع صادرات النفط لحكومة كردستان. وتواجه تركيا بالطبع حالة التمرد الكردي في الداخل منذ زمن بعيد، وقد تجددت أخيراً عقب الحرب في سوريا، وصعود نجم الأكراد السوريين جنوباً. وتخشى أنقرة إلى حدّ كبير، إمكانية قيام دولة كردية فاعلة ومستقلة عن العراق.

دعم إسرائيل

ولا يحظى الأكراد بداعم لهم إلا في إسرائيل، التي ترى في الأكراد حلفاء مجدين على الحدود الإيرانية، ولطالما نادى الإسرائيليون بضرورة الحصول على استقلال الأكراد عبر الاستفتاء.

وقد لا يتمخض التصويت بـ «نعم» في الاستفتاء عن أزمة فورية، ويشير ديفيد بولوك من معهد واشنطن لدراسة سياسات الشرق الأدنى، إلى وجود أمل ما بأن يعتدل جيران إقليم كردستان في مواقفهم عقب الاستفتاء. وكتب بولوك يقول «لن يكون أمام الخارج إلا خيار التعامل مع ما بعد النتائج بطريقة براغماتية. وقد أسرّ لي أحد المسؤولين الأكراد قائلاً (فلنأمل أن تسود الحكمة هذا الأسبوع)».

أما إذا لم تفعل، وإن لم يبرز أي مسار مثمر للمحادثات بين بغداد وإربيل، فإن شرارةً ما ستنطلق، وستغدو الأوضاع الجيوسياسية المعقدة أصلاً، أكثر تعقيداً، لا سيما بالنسبة للولايات المتحدة.

وكتب الباحث في شؤون الشرق الأوسط، مايكل ستيفنز: «لا تود دول الغرب الديمقراطية، أن ترى نفسها في موقف مجابه للإرادة الجماعية لملايين الأشخاص الذي صوتوا بالانفصال عن العراق. لكنها لا ترغب أيضاً، أن تكون المهندس الأول للصدع الدائم في منطقة مهشمة أصلاً».