منذ سنوات طويلة بدأت إسرائيل بالتوسع الاستيطاني في الخليل، إذ أن هذه المنطقة تحتل موقعاً جغرافياً استراتيجياً مهماً. وتستخدم إسرائيل كل الوسائل الدموية والعنصرية من أجل الاستيلاء على الخليل وتشريد أهلها، ولعل مذبحة الحرم الإبراهيمي التي نفذها الإرهابي اليهودي باروخ غولدشتاين وقتل فيها 29 فلسطينياً عام 1994 إحدى هذه الوسائل.
التحرك الاستيطاني اليهودي لم يقتصر على الخليل بل سار بالتوازي في باقي مناطق الضفة الغربية، حيث وافقت الحكومة الإسرائيلية، على تخصيص ميزانية لاستئناف بناء مستوطنة «عميحاي» البديلة لسكان بؤرة عامونا التي تم إخلاؤها منذ أشهر.
ويبلغ عدد سكان مدينة الخليل قرابة 250 ألف فلسطيني يعيش بينهم نحو 800 مستوطن تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، فيما يبلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية والشطر الشرقي من القدس المحتلة حالياً 750 ألفاً بعد أن كان أقل من 120 ألفاً عند توقيع اتفاق أوسلو.
دولة المستوطنين
ويمهّد القرار الإسرائيلي لإقامة دولة للمستوطنين في الضفة الغربية، بعد تخصيص إسرائيل 42 في المئة من أراضي الضفة لصالح التوسع والتمدد الاستيطاني المستمر من ضمنها 62 في المئة من أراضي المناطق المصنفة «ج».
ويؤكد المحلل السياسي عبد المجيد سويلم أن الإجراءات الأخيرة الخاصة بالملف الاستيطاني تثبت أن الاستيطان تحوّل إلى العنصر المحرك الوحيد للفكر الحاكم في إسرائيل، حيث باتت المستوطنات وجهة السياسة الإسرائيلية، وتحول الاحتلال إلى راعٍ وحامٍ للاستيطان، وتحولت السياسات الاستيطانية إلى أولوية مطلقة لدى حكومات إسرائيل المتعاقبة.
واعتبر المحلل السياسي د.مازن صافي القرار الإسرائيلي تعدياً سافراً على القانون الدولي، ومناهضاً لكل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ورفضاً لكل مساعي وخطط السلام التي تحدثت عنها الإدارات الأميركية السابقة والإدارة الحالية، بل تدفع بكل عوامل الفوضى والتفجير السكاني الرافض لهذا الإحلال وهذا الفصل العنصري.
مواجهة مفتوحة
وأضاف: «ما تقوم به إسرائيل هو مواجهة مفتوحة مع القانون الدولي، خاصة بعد قرار اعتبار الخليل القديمة إرثاً عالمياً مهدداً، ما آثار غضب ورفض إسرائيل. هذا الرفض تترجمه اليوم بالتمهيد الزمني لتنفيذ عملية تهويد وتفريغ متسارع للبلدة القديمة، وخلط الأوراق من أجل طرد أكثر من 50 ألف فلسطيني هناك، مما يعني التغيير التاريخي والديموغرافي».
واعتبر القرار دافعاً للمنظمات الصهيونية في العالم لتقديم الدعم المالي واللوجستي للاستيطان، ما يعني إنهاء أية إمكانية لحل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية، حيث تواجه القضية الفلسطينية بالشرذمة والتجزئة والفصل الجغرافي في ظل التحولات الإقليمية والدولية، واستمرار الانقسام الفلسطيني، وتداعياته الخطيرة.
ويؤكد محافظ الخليل كامل حميد أن قرار الاحتلال هو الأخطر منذ 1967، وهو تمهيد لفرض السيادة الإسرائيلية وعرقلة أية تسوية سياسية في المنطقة، وهو ما يتنافى مع كل الاتفاقيات وإقامة الدولة الفلسطينية، وسيؤدي إلى حالة إرباك وفوضى، محذّراً من تداعياته المستقبلية، مطالباً بضرورة عاجلة للتحرك السياسي والدبلوماسي والقانوني.
وبحسب المحافظ: «فإن القرار سيدفع ثمنه 40 ألف فلسطيني يعيشون في تلك المنطقة، بالإضافة إلى سكان المدينة البالغ عددهم 250 ألف مواطن، بعدما مهدت إسرائيل للقرار منذ سنوات طويلة بالعمل على عزل السكان بشتى الطرق لينعم المستوطنون بكل الخدمات بقوة السلاح».