كان عبد شاكر حجيجي يعاني من إعاقة حركية، إذ إن ساقه اليمنى أقصر من اليسرى، إضافة إلى التواء جانبي في القدم، ما جعله عاجزاً عن القيام بعمل يحتاج الجسد. لم تقده الإعاقة إلى اليأس أو لخيارات سلبية، ولم يقبل أن يكون عالة على غيره، حتى أخوته الأربعة المقتدرين الذين عاشوا معاً في بيت العائلة الكبير في بلدة قراوة بني زيد شمال غرب مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة.

«قهوة العبد شاكر» كانت الوحيدة في البلدة، فيها اجتمع المعلّم والمزارع والعامل وراعي الأغنام، وفيها كان يلتقي المتواعدون من الأصدقاء لارتشاف كأس من القهوة أو الشاي أو الشراب البارد، حيث يساعد موقعها وسط البلدة لتحقيق هذه الغايات. تلك القهوة التي تحوّلت إلى معلم بارز في البلدة، شكّلت مصدر دخل للرجل العفيف الذي تزوّج وأطلق على بكره اسم عفيف.

كبر عفيف وتوفي والداه، ثم تزوّج وأنجب فاطمة التي كبرت لتتحوّل بعد ستة عشر عاماً إلى اسم في كل نشرات الأخبار ومواقع التواصل والاجتماعي، وعلى ألسنة الناس، من يعرفها ومن لم يعرفها، ومن سمع بنبأ اعتقال طفلة على حاجز قبل بضعة شهور، وصولاً إلى الخبر الأشد إيلاماً وفخراً.

خيمة اعتصام

كان أهالي بلدة قراوة بني زيد الواقعة شمال غرب رام الله منهمكين، داخل خيمة الاعتصام، في استقبال المتضامنين مع الأسرى المضربين عن الطعام، حين وقع على آذانهم وقع الصدمة، خبر استشهاد فاطمة عفيف حجيجي (16 عاماً). ولم يمر خبر الاستشهاد سلساً وسهلاً على أهل فاطمة وصديقاتها وأهل بلدتها في الخيمة وفي البيوت والشوارع والساحات ومواقع التواصل، رغم أن الجميع كان يلحظ نشاطها الوطني والاجتماعي، حيث اعتقلتها قوات الاحتلال العام الماضي على حاجز زعترة جنوب نابلس، وزجت بها في السجن، بزعم محاولتها طعن أحد جنود الاحتلال. أمضت في السجن قرابة الشهر، ربما لصغر سنّها، وخرجت في يونيو 2016، أكثر نشاطاً وحيوية، في الميدان وفي صفحتها على «فيسبوك».

تحوّلت فاطمة إلى أصغر أسيرة محرّرة لتعيش كل تفاصيل الألم وآهات الجوع المتصاعدة من رفاقها وإخوتها الأسرى المضربين عن الطعام في مدافن الأحياء المسمّاة سجوناً إسرائيلية. وحين خرجت عميدة الأسيرات الفلسطينيات لينا الجربوني من السجن، كتبت فاطمة لها على صفحتها: «خالتي لينا يا أحلى من القمر أنت كنت أمّنا الثانية في السجن.. أنت التي ساندتينا في محنتنا».

سجل الشهداء

يبدو أن فاطمة لم تكتفِ بأن تسمى الأسيرة المحررة فقط، وأبت إلا أن تسجل اسمها في سجل الشهداء الخالدين من بنات وأبناء شعبها الذين تفاعلوا مع خبر ومشاهد استشهادها بكثير من الحزن والغضب. كيف لا والجسد النحيل لابنة الستة عشر ربيعاً تلقى عشرين رصاصة من بنادق خمسة من جنود الاحتلال أخرجوا من جعبتهم، مع رصاص الإعدام الميداني السهل، كل حقدهم وعنصريتهم واحتقارهم لحياة الإنسان حين يكون ليس صهيونياً أو يهودياً.

ذهبت الطفلة فاطمة في رحلة الطهارة والقداسة.. طريق الشهادة العفيفة، والحُجّة الدامغة على بطلان خرافة رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير عن النكبة «الكبار يموتون والصغار ينسون»، لتصبح الطفلة شهيدة بحجم قضية.