ما إن يتحدّث مسؤولون إسرائيليون عن إخماد انتفاضة للفلسطينيين وعن تراجع منسوب «التهديدات الأمنية»، حتى تباغتهم عملية تنسف تقديراتهم التي عادة ما تكون منسوبة لخبراء وقادة أمن.

عملية الشاحنة في القدس، أول من أمس، جاءت في سياقات متناسبة عكساً مع توقّعات هؤلاء القادة والخبراء، وجاءت لتعزز دلالات دائمة في ساحة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتضيف دلالات جديدة. فما الذي أرادت العملية أن تقوله؟ وما الذي يريد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو أن يصل إليه وهو يهرب إلى اتهام تنظيم «داعش» بالهجوم؟

انعدام الأمن

العملية جاءت لتقول للإسرائيليين إنكم لن تشعروا بالأمن طالما اتكأتم على صمت العالم وتواطؤ بعض دوله النافذة على ما تفعلونه بالشعب الفلسطيني وأرضه ومقدّساته وأبنائه، ولتقول إن السلاح التقليدي ليس وحده الممكن للدفاع عن الوجود والحقوق.

 الشاحنة التي استخدمها الشهيد فادي قنبر ليست دبابة روسية أو أميركية لكي يكون ممكناً منعها من التحرك والتنقل، وبالتالي يمكن منع تهريب مسدس بحجم قبضة اليد ولا يمكن وقف شاحنة من أن تنحرف في بضع ثوانٍ وتقتل وتجرح عشرات الجنود.

الدلالة الثانية للعملية أنها تفرّغ أي كلام يدلي به مسؤولون فلسطينيون أو إسرائيليون عن سلام لفظي لا رصيد له في أرض الواقع، ولا معايير ولا مرجعيات له إن في التاريخ أو في القرارات الدولية التوفيقية.

فهؤلاء الذين وقّعوا الاتفاقات المتلاحقة لم يراعوا مدى واقعية ما وقّعوا عليه ارتباطاً بأساسيات تاريخية وحقوقية وسياسية يمكن القفز عليها بالحبر والورق، لكن ليس على الأرض. لذلك تؤكد الإحصاءات أن عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين بعد الاتفاقات يفوق ما قبلها، كما أن آلاف الأسرى ما زالوا يقبعون خلف القضبان في سجون الاحتلال، فضلاً عن استمرار التهويد وحصار القدس والنهب الاستيطاني وذل الحواجز.

سوابق

رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق موشي ديان، قال في نهاية الستينيات، إن «الثورة الفلسطينية مثل البيضة سأكسرها بيدي»، فجاء الجواب في معركة الكرامة، ليجد أن يده كسرت وليست الثورة الفلسطينية. وفي انتفاضة 1987، كان وزير الحرب الأسبق إسحاق رابين عائداً من الولايات المتحدة، وقال في المطار إن هؤلاء مجموعة من الصبية سأكسر عظامهم، وكان أن صنع هؤلاء «الصبية» أطول انتفاضة في التاريخ وأدخلوا كلمة «انتفاضة» في قاموس أكسفورد.

الآن يهرب بنيامين نتانياهو من الإجابة الواقعية على سؤال الأمن، فيذهب لترديد ما ينطلي على العالم، فيتّهم تنظيم داعش بتنفيذ عملية الشاحنة، وهو اتهام لا يصدر عن مبتدئ في عالم السياسة.

الواقع يقول إن أسلوب العملية لا ينتمي إلى ثقافة «داعش»، بل إلى عشرات العمليات التي نفّذها فلسطينيون يملكون انتماء لقضيتهم ويغضبهم ما يفعله الاحتلال، لاسيما وأن معظمهم من القدس ويشاهدون بأم أعينهم أو على جلودهم اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى واعتداءهم على المرابطين فيه، وكل ذلك بغطاء وحماية من شرطة الاحتلال. وكل ذلك أيضاً في ظل منظومة استخبارية وسياسية وإعلامية تشكل شاحناً لاستمرار الصراع.

تبنٍ رسمي

وفضلاً عن رفض الاستخبارات الإسرائيلية فرضية «داعش»، فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تبنّت العملية رسمياً، كما أن عشرات الصور التي نشرها أصدقاء منفّذ العملية، تؤكد أن علاقته بـ«داعش» لا تتجاوز دماغ نتانياهو الذي أراد بهذا الاتهام أن يوفّر تغطية مسبقة للتنكيل بجبل المكبّر وأسرة الشهيد.

يدرك الإسرائيليون أن عملية الشاحنة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، طالما أن الفلسطينيين يعيشون حياة القهر تحت نير احتلال ينضح بالعنصرية، ولا يتوقّف عن الشحن العنصري، منطلقاً من إيديولوجية لا تقبل حتى الحلول الوسط. وفي ظل هكذا واقع ومعطيات يبقى حبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بيد الشارع، بانتظار متغيرات إقليمية ودولية ترجّح كفة الحق أخيراً.