لم تتوقف التفاعلات الإسرائيلية لحظة واحدة منذ إعلان منظمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) نفي أي علاقة بين المسجد الأقصى واليهود.
ولم تتوقّف ردود الفعل المعادية للقرار الذي وضع الرواية الإسرائيلية فوق صفيح ساخن، ومحاولة البحث عن أدلة واهية في القدس للرد على القرار الأخير، كما تستعد إسرائيل لمعركة مستقبلية مع (يونسكو)، على اعتبار أن القرار سيمهد لقرارات أخرى مناصرة للفلسطينيين.
وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، أن حكومته ستنضم إلى تمويل مشروع «غربلة ركام» يستخرج من الحرم القدسي، وهو مشروع تنفذه جمعية «إلعاد» الاستيطانية من أجل العثور على آثار في ركام استخرج من الحرم أثناء إعادة ترميم المصلى المرواني تحت المسجد الأقصى قبل 17 عاماً، والبحث عن الهيكل المزعوم. وسيشارك نتانياهو شخصياً في نقل الغبار من أسفل المسجد الأقصى.
وقررت سلطات الاحتلال إجبار كل شاب إسرائيلي على المشاركة في الحفريات التي تنفذها ما تسمى سلطة الآثار الإسرائيلية تحت الحرم القدسي ومحيطه بهدف الحصول على «أدلّة» مزعومة تربط اليهود بالمكان.
وقال الجنرال المتقاعد يسرائيل حسون رئيس سلطة الآثار الإسرائيلية، إن السلطة قررت التنسيق مع الحكومة أن يشارك كل شاب إسرائيلي قبل تجنيده للجيش في عملية الحفر.
واقع جديد
ويرى الكاتب في الشأن السياسي حسين حجازي، أنّ الدلالة الأهم في القرار الذي صادقت عليه "يونسكو" مرتين، تكمن في الواقع الجديد الذي يبدو عليه الموقف العالمي من الكيان الإسرائيلي، حيث جرت وتجري الآن مياه جديدة من تحت الجسر، للفصل بين عصرين أو زمنين.
مشيراً إلى أنه في ضوء هذه الحقيقة وهذا الانقلاب اليوم، يأتي قرار "يونسكو" لحجب الغطاء الدولي والغربي تحديداً عن إسرائيل الذي حمي وغطى بإعلامه ودبلوماسييه إسرائيل، وأن القرار يأتي بمثابة رسالة في هذه الطريق التي نحاول تتبع علاماتها وإشاراتها إلى المؤتمر الدولي للسلام.
وأضاف: «بهذا المعنى فقد كان القرار سياسياً في دلالته، وإن كان في مضمونه يختص بمسألة تتعلق بحق أو شأن من شؤون التراث الديني والعبادات، وإن هذا البعد السياسي في مغزى القرار هو ما أربك حسابات العصبية الأيديولوجية الحاكمة في إسرائيل، فيما بدأ إحكام الخناق العالمي على الاحتلال».
وبين أن «الأيام المقبلة ربما تشهد حركة ضاغطة ولكن مكمّلة أو موازية من الداخل، لتشديد الطوق على الاحتلال، من خلال المسيرة النسوية الإسرائيلية تحت شعار نساء يصنعن السلام، من رأس الناقورة إلى بيت نتانياهو، والتي تحولت إلى تظاهرة كبرى من أجل السلام وإنهاء الاحتلال».
حملة مضادة
وشنت الحكومة الإسرائيلية حملة عالمية مضادة عبر برلمانات العالم تطالبها بالاعتراف بمدينة القدس الموحدة كعاصمة لإسرائيل، رداً على قرار (يونسكو)، وبمساعدة رئيس الحكومة الإيطالية ماتيو ريتزي الذي انتقد بشدة قرار "يونسكو" حول القدس، حيث امتنعت إيطاليا عن التصويت على القرار وقالت إنها ستعارضه في المستقبل.
وقال المحلل السياسي أشرف العجرمي، إن الموقف الدولي الذي ينتصر للحقيقة والتاريخ لا يردع إسرائيل، ولكن كل قرار من هذا القبيل يحشر إسرائيل في زاوية المحتل والمتعدي، ويضعها في تناقض مع المجتمع الدولي والقوانين والشرائع الأممية، التي تنظم العلاقة بين الشعوب والدول.
فيما اعتبر المحلل السياسي أيمن أبو ناهية، أن القرار ضربة على المستوى الدولي من أهم مؤسسة للثقافة والعلوم لكل الادعاءات الإسرائيلية، ومحاولة تزوير التاريخ والواقع في هذه المناطق.
مشيراً إلى أن القرار أصبح وثيقة تاريخية تؤكد الحقوق الإسلامية بشكل لا يقبل الجدل، مهما حاولت إسرائيل إثبات عكس ذلك قولاً أو فعلاً، وقطع القرار الطريق على الجهود الإسرائيلية لتهويد المسجد أو تقاسمه، وأخرج حكومة الاحتلال عن طورها، وأكد الرواية الفلسطينية التي يتم تعميدها يومياً بالدم داخل المسجد الأقصى وكل أحياء القدس وعموم أرض فلسطين.
وأضاف: «القرار حمل أكثر من رسالة، منها رسالة للاحتلال بأن استمرار بقائه كدولة فوق القانون، لا يمكن أن تستمر للأبد، وعليها أن تطبق قرارات الشرعية الدولية، وأن تنهي احتلالها للأراضي الفلسطينية».
بوابة إدانة
وأكد أن قرار (يونسكو) يفتح بوابة لقرارات أخرى تدين الاحتلال وتجرمه، ويبعث رسالة للولايات المتحدة الأميركية، بأنه يتوجب عليها عدم الاستمرار في تشجيع إسرائيل على خرق القانون الدولي، وتشكيل مظلة من الحمية لها من المؤسسات الدولية من أية قرارات قد تتخذ بحقها، أو عقوبات قد تفرض عليها على خلفية خرقها للقوانين الدولية.
ويرى الكاتب في الشأن السياسي عبد الغني سلامة، أن هذا القرار بالإضافة لأهميته التاريخية، يؤكد أهمية الشرعية الدولية، وإمكانية تجنيدها لصالح القضية الفلسطينية، خاصة عندما تُحسن الدبلوماسية الفلسطينية والعربية التعامل معها، والخوض في نضال سياسي ودبلوماسي تدعمه وتشد من أزره مقاومة شعبية.
وتابع: «القرار مهم جداً، ويمكن البناء عليه، لكن يجب أن لا نغرق بالوهم، ويجب أن لا نتوقّع انه بمجرد كشف زيف وكذب روايتها، فإنها ستنهار، حيث أن إسرائيل أخذت تقلّل من اعتمادها على الشرعيات التاريخية والدينية، وهي تستند في ما يسمى «حقها في الوجود» إلى قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1947، والذي تعتبره شهادة ميلادها، مؤكداً أن إجبارها على إنهاء الاحتلال يحتاج جهوداً جبارة وكفاحاً مريراً».
في السياق، أكد القيادي في حركة فتح عبدالله عبدالله، أن أهمية هذه القرارات من المنظمات الدولية المتخصصة تكمن بالتراكم كإنجازات فلسطينية. وأوضح أن القرار هو من جملة القرارات التي تثبت الحق الفلسطيني والهوية للقدس والمقدسات العربية والإسلامية، وتشكل القوة القانونية للحق الفلسطيني، وسيتم البناء عليها في المحاكم الدولية.
ولفت إلى أنّ الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى تمارس يومياً من المتطرفين والمستوطنين، وسيتم رفع هذا القرار في وجههم في المحافل الدولية بما فيها محكمة الجنايات الدولية.
سرقة
اعتبرت الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات قرار سلطات الاحتلال بإجبار كل شاب إسرائيلي على المشاركة في الحفريات أسفل المسجد الأقصى، وتعهد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو بأن يشارك شخصياً بذلك، بمثابة إعلان إسرائيلي رسمي لسرقة التراث والتاريخ الإسلامي في القدس المحتلة.
وقالت الهيئة في بيان صحافي أمس إن إسرائيل بحكومتها ومتطرفيها تتحدى في كل يوم وكل لحظة المجتمع الدولي وقوانينه.
