عندما يهدّد جيش ما باعتقال طفل أو حتى رضيع أو يستدعيه للتحقيق، يبدو الأمر نكتة، أو يدخل في إطار التعبئة التي عادة ما تشهدها الصراعات، ويستخدم فيها الأطفال لاستدرار العطف.
لكن حين يتعلّق الأمر بإسرائيل، تكون «النكتة» سياسة، و«الطرفة» ممارسة. وإذا كان المجال لا يتّسع للعودة إلى ممارسات العصابات الصهيونية إبان النكبة وعشرات المجازر.
حيث بقر بطون الحوامل، وقتل الرضّع، فإن التاريخ الحديث لجيش الاحتلال ومستوطنيه، يشي بالكثير من الوقائع، القاسم المشترك بينها، أن إسرائيل تريد أن تفرض على الفلسطينيين معادلة تيئيس: الصغير والكبير في دائرة الاستهداف. أمس، اقتحم جيش الاحتلال منزل الشهيد فادي الفروخ في بلدة سعير القريبة من مدينة الخليل، وصادر «سرق» سيارة والده، ودمّر محتويات المنزل.
الجنود الذين فعلوا ذلك وأكثر، هدّدوا باعتقال رضيعة الشهيد، البالغة من العمر عشرة أشهر، في المرة القادمة. لم يكن التهديد مجرد عبارة عصبية عابرة، بل تركوه مكتوباً ومعلّقاً على منزل عائلة الشهيد الفروخ، موجهاً لهم ولأهالي سعير.
استدعاء
في الحادي عشر من يوليو الماضي، فوجئ الفلسطيني محمد توفيق بعيرات من قرية كفر مالك شرقي رام الله، بأن ابنه جهاد الذي توفي قبل 22 عاماً، حينما كان عمره أسبوعين فحسب، مطلوب للمخابرات الإسرائيلية. اقتحم جيش الاحتلال المنزل، وسلّم بعيرات بلاغ استدعاء الرضيع المتوفى.
وتصببّت العائلة عرقاً، وهي تجمع هويات أفرادها، وتحاول إقناع ضباط المسمى جيشاً، بأن المطلوب رضيع مات وشبع موتاً. منذ بدأ جيشها على شكل عصابات، صاغ بالدماء تاريخاً حافلاً بالجرائم، ولم يكن الأطفال والرضّع ضحايا على هامش المشهد، بل كانوا في أغلب الأحيان مستهدفين.
ليس بالمستطاع نسيان الرضيعة إيمان حجو ابنة الأربعة شهور، التي استشهدت في غزة برصاص الجيش الإسرائيلي في مايو 2001، ولا ممكن نسيان الطفل الرضيع ضياء الطميزي ابن الثلاثة شهور، الذي قتله المستوطنون في سيارة متوقّفة قرب بلدة إذنا. أصابوه بست رصاصات، أي ضعف أشهر عمره الثلاثة.
حرق الدوابشة
أحدث الجرائم ما زال مرتكبوها طلقاء، المستوطنون الذين أحرقوا الرضيع علي دوابشة، ابن الثمانية عشر شهراً مع والديه سعد دوابشة وريهام دوابشه، حين هاجموا منزلهم ليلاً، وأضرموا فيه النيران.
ولم ينج من العائلة سوى الطفل أحمد ابن الأربع سنوات، الذي أصيب بحروق بالغة. ومثلما مرت الجريمة بلا عقاب، من كيان يستوي فيه القاضي والمحامي والمجرم، مرّ مشهد الأعراس التي أقامتها حشود من الإسرائيليين احتفاء بحق الرضيع.
تاريخ إسرائيل حافل بالجرائم التي تموت بالتقادم. نظرياً، يسهل نفيها بهز الكتف وبحرف النظر وبتثاؤب ينم عن الملل، أو بالمبررات التي تقدمها الدعاية الإسرائيلية. المعطيات التي كان يجب أن تطارد المجتمع الإسرائيلي وتقض مضاجعه وتُحدث نقاشاً دولياً مشتعلاً، لا تثير أي اهتمام. وكان المشهد، ولا يزال.. كيان لا يحاسب، وعالم لا يحرّك ساكناً.
180
قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوان «الجرف الصلب» قبل عامين في غزة، على مدى 50 يوماً، 546 طفلاً، بينهم 180 رضيعاً وأقل من 5 سنوات. وبلغة الحساب، أكثر من 10 أطفال في اليوم، أي ما مجموعه صف مدرسي كل ثلاثة أيام.