قبل أن يكمل أفيغدور ليبرمان أسبوعاً على توليه منصب وزير الجيش، تعرضت تل أبيب لعملية فلسطينية أصابت الوزير الجديد بالإحراج أمام مجتمع إسرائيلي متيم بالقادة العسكريين ولا يبدي حماسة تجاه أولئك الذين لم يصعدوا سلم العسكرية في الجيش الإسرائيلي.

ولا شك في أن إعجاب الصهاينة بالعسكريين مرتبط بالنشأة والتربية في البيت والمدرسة والشارع ووسائل الإعلام والحملات الانتخابية، لذلك لم يفز شخص مثل رئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريز في أي انتخابات في حياته، رغم أنه من مؤسسي الحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي، وهو الأب الروحي للاستيطان وجالب المفاعل النووي من فرنسا.

في تاريخ هذا الكيان، عادة ما يترجم سعي قادته لإرضاء مجتمعهم عبر التنكيل بالفلسطينيين وممارسة عرض العضلات عليهم، وعلى أشقائهم العرب، من خلال تنفيذ عمليات اختراق أمنية وعسكرية، ليقدم هؤلاء القادة من خلالها أنفسهم باعتبارهم يوظفون «ذراع إسرائيل الطولى»، ليحققوا سياسة الردع بوسيلتي المجاهرة بالعمل أو ما يسمونه «الغموض البناء».

وتتجلى الوسيلة الثانية في الموقف المبهم قصداً من السلاح النووي، وفي عدم تبني أو إنكار عمليات الاغتيال إلى بعد مرور عقود من الزمن، مثل الاعتراف المتأخر باغتيال قيادات فلسطينية مثل وديع حداد وخليل الوزير «أبوجهاد»، ومثلما قد يحصل في حالة الزعيم الراحل ياسر عرفات في لحظة ما.

عملية تل أبيب وليبرمان

في تناولها لعملية تل أبيب، ربطت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية بينها وبين تعيين ليبرمان وزيراً للجيش، ليستهل منصبه بتحد يمس العصب الحساس للتجمع الاستيطاني الإسرائيلي، وبخاصة المعسكر القابع في أقصى يمين المشهد الصهيوني، الذي يجهد كثيراً بتقديم نفسه كونه حامل لواء الأمن والقبضة الفولاذية ضد العرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاً.

صحيح أن الفترة القصيرة التي فصلت بين تولي ليبرمان وزارة الحرب ووقوع عملية تل أبيب تشفع له عند غالبية الإسرائيليين، باعتبار أن التخطيط لهذه عملية تعود بدايتها لما قبل التعيين، لكن الهاجس الأمني المفتعل بمعظمه، يدفع أي وزير إسرائيلي جديد أن يفكر أولاً وأخيراً بإرضاء الإسرائيليين عبر ارتداء البزة العسكرية والتحدث بخطاب أمني متواز مع إجراءات انتقامية تنكيلية تطال حياة الفلسطينيين وتنقلاتهم ولقمة عيشهم.

وفي سياق هذا المشهد المتكرر مع كل مرحلة يعلو فيها منسوب التوتر والتصعيد بين الفلسطينيين والاحتلال ومشتقاته الاستيطانية والتنكيلية، تأتي قرارات ليبرمان بالتنكيل ببلدة يطا بمحافظة الخليل، التي خرج منها منفذ عملية تل أبيب، وإلغاء آلاف التصاريح الصادرة لعمال فلسطينيين، فضلاً عن التوقف عن إصدار تصاريح جديدة.

دغدغة أحلام وأوهام

مثل هذه القرارات تدغدغ أحلام الإسرائيليين، ثم سرعان ما يكتشفوا أنهم وقعوا في فخ عدم التفريق بين الأحلام والأوهام، ذلك أن الوسائل، التي يتخذها جيش الاحتلال والمستوى السياسي في إسرائيل، وتلك التي يمكن اتخاذها، كلها جربت مع الفلسطينيين، لكنها لم توقف نضالهم ولا تطفئ جذوة انتفاضة قائمة أو تتجه للظهور من تحت الرماد، فمجازر ما بين نكبة 1948 وهزيمة 1967 في كفر قاسم والدوايمة وبالطنطورة ودير ياسين والعشرات غيرها، لم تمنع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة.

وثمة مثال أحدث نسبياً، إذ إن إسحق رابين أطلق العنان لجيشه مطلع الانتفاضة الكبرى في العام 1987 لكي ينفذ سياسة تكسير العظام، اكتشف أن لحم الفلسطينيين ليس أقل قسوة من عظامهم، لذلك استمرت انتفاضة الحجارة سبع سنوات، ولم تتوقف إلا بدعوة من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993.

رفع منسوب القمعربما يلجأ ليبرمان لرفع منسوب القمع ضد الفلسطينيين بعد كل عملية فدائية ينفذها فلسطينيون، وقد يحاول تحويل حديث قادة آخرين في إسرائيل عن السلام والمفاوضات مع الفلسطينيين إلى مشجب يعلق عليه أي فشل أمني، لكنه إذا راجع الأرشيف سيجد أن المسار السياسي الدائر في حلقة مفرغة، مثله مثل القبضة الحديدية من حيث النتيجة، وهي أن نضال الفلسطينيين لن يتوقف قبل إنهاء الاحتلال لا بالقمع، ولا بالاتفاقات المجحفة.