حين يضرب زلزال منطقة أو يجتاحها إعصار كبير، يقال إنها منطقة منكوبة، أي أن ما حصل يسمى نكبة مع كل ما ينتج عنها من مآس تتجاوز الحد الطبيعي بمستويات عالية.

وحين يقتبس الفلسطينيون من الكوارث الطبيعية مصطلحاً يصف ما حل بهم على يد العصابات الصهيونية في العام 1948، فهذا يعني أن الحدث ينتمي إلى الكوارث الكبرى، لكن من النوع الذي يرتكبه الإنسان وليست الطبيعة.

نكبة فلسطين مثّلت، من حيث مجرياتها ونتائجها، محطة سوداء في التاريخ الفلسطيني الحديث، إذ إنهم تعرّضوا للطرد من وطنهم وأرضهم وجرّدوا من أملاكهم وبيوتهم، ثم وجدوا أنفسهم هائمين على وجوههم في مشارق الأرض ومغاربها ويواجهون صنوف المعاناة والعذابات التي لا يمكن للمرء أن يتخيّلها إلا إذا عاشها.

الفلسطينيون والعرب يؤرخون النكبة على أنها حدثت في العام 1948، لكن بالعودة إلى الوراء يتبيّن أن الكثير من الوقائع حدثت على ارتباط وثيق بالذروة المتمثّلة بالنكبة، وهي وقائع كثيرة وتحتاج لأبحاث واسعة وممتدة، لكن يمكن العودة قليلاً بضع سنوات قبل الحدث المزلزل.

ففي العام 1849 فتح الحكام العثمانيون المجال لليهود الغربيين لعقد صفقات شراء الأراضي في فلسطين، وتوج ذلك النهج في الخمسينيات وحتى السبعينيات من القرن التاسع عشر ببناء مستوطنات يهودية تجريبية في القدس ويافا، حيث أنشأ اليهود أول مستوطنة عام 1878 بالقرب من مدينة يافا أطلقوا عليها اسم «بتاح هتيكفا» وتعني «مفتاح الأمل».

وخلال الفترة 1880-1882 أنشأوا مستوطنة بالقرب من مدينة حيفا، وكانت تلك بداية الموجة الأولى من المهاجرين الصهاينة إلى فلسطين.

خطوات على الطريق

في العام 1891 أنشئت جمعية الاستيطان لتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين، ثم صدر كتاب ثيودور هيرتزل الوحيد الذي يرسم فيه خطوات إقامة «دولة يهودية».

وفي العام 1897 عقد المؤتمر الصهيوني الشهير في مدينة بازل السويسرية، وانبثق عنه برنامج الحركة الصهيونية العالمية «برنامج بازل» الذي جاء مما جاء فيه: «تسعى الصهيونية لإقامة وطن لليهود في فلسطين معترف به وفقاً للقانون العام ولتحقيق هذا الهدف يتخذ المؤتمر الوسائل التالية:

• تعزيز الاستيطان في فلسطين باليهود المزارعين والحرفيين والمهنيين بناء على قواعد صالحة.

• تنظيم اليهود كافة وتوحيدهم بواسطة إنشاء المؤسسات المحلية والعامة الملائمة وفقاً للقوانين السارية في كل بلد.

• تقوية الشعور اليهودي القومي والضمير القومي.

• اتخاذ الخطوات التحضيرية للحصول على موافقة الحكومات التي يجب الحصول عليها لتحقيق هدف الصهيونية.

تطورات مفصلية

بعد ذلك المؤتمر طرأت تطورات مفصلية، فقد أنشئ الصندوق القومي اليهودي، في العام 1901، من أجل شراء أراضٍ في فلسطين، وتتابع هجرات اليهود إليها، ثم صدر وعد بلفور البريطاني في العام 1917 الذي تعهد بدعم «إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين».

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، احتل الحلفاء فلسطين عام 1918، ووقعت فلسطين تحت الانتداب الاستعماري البريطاني في 1923، حيث سمحت لمئات الآلاف من اليهود بالهجرة إلى فلسطين، وسلموهم آلاف الدونمات من أراضيها.

وقبل أن تنهي بريطانيا استعمارها المباشر لفلسطين عملت على إعداد فلسطين للحظة إعلان فيها «الدولة اليهودية»، ومن ذلك أنها شجعت هجرة اليهود إلى فلسطين، فبين 1922 ونهاية 1946 ارتفعت نسبة اليهود من العشر إلى الثلث من إجمالي السكان (من 84,000 إلى 608,000)، كما بلغت مساحة الأراضي التي استولى عليها اليهود في 1947 حوالي 180 ألف هكتاراً.

كما عملت بريطانيا على توظيف الضباط العسكريين والإداريين البريطانيين الذين يؤيدون الصهيونية من أجل تقديم الدعم لليهود في فلسطين، وقامت بعزل اليهود من سكان فلسطين عن الفلسطينيين المسلمين، وإيجاد قيادة سياسية صهيونية حتى تصبح نواة للحكومة المعلنة.

أما بالنسبة للفلسطينيين فقد قام البريطانيون في العام 1937 بحل جميع المنظمات السياسية الفلسطينية، ورحلوا خمسة من الزعماء، وشكلوا محاكم عسكرية يشهد التاريخ على عمليات الإعدام التي نفذت بقرارات صدرت عنها.

وشهدت فترة العشرينيات حتى منتصف الثلاثينيات مجموعة من الأحداث التي مهّدت للإضراب الشهير في العام 1936 الذي امتد لستة شهور، وسلسلة ثورات، أهمها انتفاضة عام 1920، ثورة يافا عام 1921، ثورة البراق عام 1929، انتفاضة عام 1933، وثورة القسام عام 1935.

دمار ونشوء

ومنذ صدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة في 29 من نوفمبر 1947 وحتى آخر هدنة بين إسرائيل وسوريا في يوليو 1949، دُمّرت فلسطين ونشأت إسرائيل الرسمية، أو بالأحرى ولدت من رحم الاستعمار البريطاني. إذن كانت النكبة جريمة ضد شعب طرد من وطنه وما زال ينتهج كل الوسائل المشروع لاستعادة حقوقه وهويته.

بعدما ترسخت إسرائيل وتمددت وتمادت في غيّها، استخدم بعض السياسيين والمثقفين العرب لغة استسلامية في التعاطي مع مشروعها، على قاعدة «لو قبلنا بكذا لكان أفضل». بعد هزيمة 67 قيل: لو قبلنا بقرار التقسيم لما سقطت الضفة والقدس والجولان وسيناء في 67. وفي الثمانينيات ارتفعت نغمة «لو قبلنا بكامب ديفيد».

لكن، لو أخضعت الأيديولوجيا الصهيونية وترجماتها السياسية والميدانية على الأرض العربية، لتأكّد هؤلاء أن كل تنازل من الجانب الفلسطيني أو العربي تقابله إسرائيل بالضغط لجلب المزيد من التنازلات، والدليل على ذلك أن القيادة الفلسطينية وقّعت اتفاق أوسلو.

ورغم إجحافه للحقوق الفلسطينية إلا أن إسرائيل لم تلتزم به وتنكّرت له، بل داسته بدباباتها ودمرته بطائراتها في سلسلة اجتياحات وعدوانات على الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن مواصلتها نهب الأرض لصالح المستوطنات.

لكن... الأكثر وضوحاً ودقّة أن النكبة الفلسطينية ليست حدثاً مرتبطاً بتاريخ، بل هي حدث اكتسب استمراريته من اختلال موازين القوى لصالح الاحتلال، ما سمح بمواصلة مصادرة الأرض وتسمين المستوطنات وتهويد القدس وبقاء ملايين الفلسطينيين في الشتات والآلاف في السجون. كل ذلك والقيادات الفلسطينية تبدع في «فن الانقسام»، فيما النكبة تبقى جرحاً دامياً مفتوحاً بانتظار البلسم.

48

حرب 1948 هي حرب نشبت في فلسطين بين كل من مصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية ضد المليشيات الصهيونية المسلحة في فلسطين والتي تشكلت من البلماخ والإرغون والهاجاناة والشتيرن والمتطوعين اليهود من خارج حدود الانتداب البريطاني على فلسطين.

وكانت المملكة المتحدة قد أعلنت إنهاء انتدابها على فلسطين وغادرت تبعا لذلك القوات البريطانية من منطقة الانتداب.

اسرائيل: من 800 ألف إلى أكثر من 6.3 ملايين

الأرقام التي نشرتها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية بمناسبة الذكرى الـ68 لنكبة فلسطين التي تسميها إسرائيل «عيد الاستقلال» تشير إلى أن عدد المستوطنين في إسرائيل يبلغ نحو 6,377,000 مستوطن.

وهذا العدد يمثل 9 أضعاف ما كان عليه في فترة النكبة عام 1948 إذ بلغ تعداد اليهود آنذاك نحو 806 آلاف نسمة. خلال العام الأخير ازداد عدد المستوطنين في إسرائيل بنحو 182,000 نسمة (2.2%). ويتوقع أن يتنامى العدد حتى عام 2035 ليصل إلى 11.3 مليوناً.

وتبلغ نسبة اليهود 74.8%، في حين بلغ عدد الفلسطينيين الذين تناسلوا ممن صمدوا في مناطق الـ48 نحو 1,771,000 نسمة، أي ما يعادل 20.8% من مجمل عدد السكان.

في عام 1948 كانت مستوطنة واحدة ـ هي تل أبيب يافا - يتجاوز تعداد سكانها الـ100 ألف مستوطن. أما اليوم فهناك 14 مدينة في إسرائيل يتجاوز عدد مستوطنيها هذا الرقم، منها 8 مدن استيطانية يتجاوز عدد مستوطنيها الـ200 ألف.

 أما عدد اليهود في جميع أنحاء العالم، فتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن عددهم في عام 1948 بلغ 11.5 مليون نسمة، 6% فقط منهم عاشوا في إسرائيل. اليوم هناك 14.3 مليون يهودي في العالم ويعيش 43% منهم في إسرائيل.