فتحت المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونظيره المصري عبدالفتاح السيسي، التي أعلن فيها أوباما استئناف واشنطن مساعداتها العسكرية للقاهرة، عقب فترة تعليق استمرت قرابة العامين، كرد فعل على ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان الإرهابية، باباً من التساؤلات حول المغزى وراء هذا التغير الذي يرسم خريطة جديدة من العلاقات، وهو الخطوة التي رحب بها الرئيس المصري مؤكداً أنها ستدعم جهود مكافحة التطرف والإرهاب.

وتضمنت المكالمة إعادة حزمة المساعدات العسكرية الأميركية واستكمال توريد المتفق عليه في السابق من طائرات «إف 16»، وهو التحول الذي حمل في طياته عدداً من الدلالات، لا سيما في ظل التوقيت الراهن، الذي تشارك فيه القاهرة في «عاصفة الحزم»، وفي وقت تسعى فيه مصر مع أشقائها العرب لوضع لبنات القوة العربية المشتركة.

وذكر بيان للرئاسة المصرية أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي رحب بالخطوة الأميركية، مشيراً إلى أنها ستساعد في مواجهة المسلحين المتطرفين.

وقال السيسي إن هذا القرار سيساعد «فيما يتعلق بجهود مكافحة التطرف والإرهاب، وحفظ الأمن خصوصاً في سيناء».

إن المكالمة الهاتفية التي تمت بين أوباما والسيسي «جاءت عقب أن استعادت مصر عافيتها وظهر دورها الإقليمي بقوة»، وذلك وفق ما أكده الخبير السياسي د.عماد جاد، الذي ذكر أن القاهرة استعادت دورها في المحيط الإقليمي، وهو الأمر الذي قد يكون دافعاً لواشنطن لتغير موقفها تجاه مصر، حيث حمل الاتصال الهاتفي دلالة على إغلاق الولايات المتحدة صفحة جماعة الإخوان الإرهابية والحديث عنها، وقرار بالتعامل مع النظام الحالي باعتباره النظام الشرعي المدعوم من الشعب والقائم على الأرض.

عودة اضطرارية

ورغم أن الخطوة على كل الأصعدة تعد تطوراً نوعياً مهماً في سير العلاقات المصرية الأميركية التي عانت من شبه تدهور في الفترة الأخيرة، إلا أنه بحسب بيان البيت الأبيض فإن المساعدات تعود بشكل جديد، حيث تم تقسيمها إلى أربعة أفرع، وهي مواجهة الإرهاب وحماية الحدود والأمن في سيناء، بالإضافة إلى الدفاع البحري والمائي وحمايته، وهو ما جعل البعض يفسر عودة المساعدات على أنها عودة اضطرارية من جانب واشنطن، فرضتها عليها الظروف المحيطية والأوضاع في المنطقة مما دفع واشنطن لهذه الخطوة.

ومن جانبه، أكد وكيل وزارة الخارجية عادل الصفتي أن العودة مبررة وطبيعية لا سيما وأن الإدارة الأميركية كانت تتبنى موقفاً عدائياً تجاه مصر وقياداتها السياسية عقب ثورة 30 يونيو 2013، بسبب رفضها سقوط حكم تنظيم الإخوان الإرهابي الذي سقط معه الاتفاق الرامي لتخصيص جزء من أراضي سيناء لأهالي غزة لضمان أمن إسرائيل، وهو الاتفاق الذي قضت عليه ثورة يونيو، لافتاً إلى أنه عقب فشل الولايات المتحدة في مساعدة الجماعة للعودة للحكم..

وتثبيت القيادة السياسية في مصر لأوصالها بالداخل وانتزاع الاعتراف بشرعيتها في الخارج، وذلك عقب نجاح المؤتمر الاقتصادي والقمة العربية ونجاح مصر في تنفيذ مطلبها بتكوين قوة عربية مشتركة، لم تجد واشنطن مفراً من الاعتراف بالأمر الواقع والعودة لبدء علاقات استراتيجية طبيعية مع مصر وقيادتها السياسية.

مخاوف أميركية

وفيما اعتبر مصدر عسكري أن عودة مصر لدورها الإقليمي سياسياً وعسكرياً، جعل البيت الأبيض يختار هذا التوقيت لإعادة التعاون بين البلدين رأى مراقبون للمشهد السياسي أنه لا مصلحة للولايات المتحدة في الوقت الحالي أن تكون خارج المشهد بالنسبة لمصر، في الوقت الذي تستعيد فيه مصر لمكانتها ودورها العربي والإقليم..

وتأثيرها في مجريات الأوضاع في المنطقة، بالإضافة إلى أن محاولة خطب ود مصر من جانب قوى دولية عظمى منافسة للولايات المتحدة كالصين وروسيا، أمر يثير قلق وتخوفات واشنطن من أن تكون هذه الدول بديلة لها لدى مصر، وانطلاقاً من كل هذا، تأكدت الولايات المتحدة أن سياسية لي الذراع التي كانت تتبعها مع مصر من خلال وقف المساعدات العسكرية لا جدوى منها على العكس، لن تضر أحداً سوى الولايات المتحدة نفسها.

غير أن هناك مخاوف واسعة من «المراوغات الأميركية»، وسياسة واشنطن التي تلعب على كل «الأصعدة».

وأوضح أستاذ العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، د.محمد حسين، في تصريحات لـ «البيان»، أن العلاقات الدولية لا تسير على وتيرة واحدة، وإنما تسير في منحيات على حسب الأوضاع والموقف الدولي، وهو ما ينطبق على العلاقات المصرية الأميركية، فتاريخ العلاقات بين الدولتين يؤكد أنها علاقات استراتيجية متميزة تقوم على أساس حماية مصالح الطرفين، وهو ما يجعل من السهل حل أي أزمات سياسية أو دبلوماسية تقع بين الدولتين.

إضاءة

اتسم الموقف الأميركي تجاه مصر عقب ثورة 25 يناير بالتردد والارتباك ثم انحاز لمطالب الشعب المصري غير أن التحول المهم في العلاقات جاء بعد الانتخابات الرئاسية المصرية العام 2013 وثورة 30 يونيو، حيث نتج عنها توترات في العلاقات المصرية الأميركية قبل أن تراجع واشنطن موقفها بعد النجاحات المتوالية التي حققتها مصر في ظل الرئيس عبدالفتاح السيسي وعقب استعادة مصر لدورها في المنطقة.