القرار الإسرائيلي بتجميد تحويل عائدات الضرائب الخاصة بالسلطة الفلسطينية الذي أعلنت عنه مصادر إسرائيلية، السبت، هو واحد من مجموعة قرارات تضمّنتها سلة العقوبات التي أقرتها حكومة بنيامين نتانياهو، وفضلت إبقاءها طي الكتمان، وذلك في سياق ردود الفعل العقابية بعد تجرؤ السلطة على تقديم طلب الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية، وبضوء أخضر من حليفتها أميركا التي لم تكتفِ باستخدام الفيتو ضد الطلب الفلسطيني في مجلس الأمن، بل هددت وتوعدت بوقف المساعدات الأميركية للسلطة.
الموقف جدي وخطير في ظل عجز موازنة السلطة الكبير ومضاعفة احتياجاتها المالية، لا سيما بعد التداعيات الاقتصادية الاجتماعية للحرب العدوانية على غزة، وستزداد خطورته في حال استجاب العرب للرغبة الأميركية الإسرائيلية في معاقبة السلطة وإجبارها على العودة لبيت الطاعة الأميركي الإسرائيلي ولم يوفوا بتعهدهم بتوفير شبكة الأمان المالية التي أقرتها الجامعة العربية.
كل من السلطة وإسرائيل تدركان العواقب الكبيرة لتجميد عائدات الضرائب، الأمر الذي يعني مباشرة عدم قدرة السلطة على توفير فاتورة الرواتب لموظفيها البالغ عددهم أكثر من 160 الفاً في الضفة والقطاع، بالإضافة للموازنات التشغيلية للوزارات والأجهزة الحكومية، الأمر الذي يهدّد عملياً بتآكل السلطة ويهدد قدرتها على البقاء وينذر عملياً ببدايات تفككها وانتشار الفوضى.
حقيقة النوايا
لعبة العلاقات العامة السياسية تحت غطاء المفاوضات التي استمرت لعقود طويلة وصلت إلى نهايتها، وبات لابدّ من كسر قواعد اللعبة السياسية، وفي مقدمتها تغيير استراتيجية عباس التي قامت على اتخاذ المفاوضات المباشرة كخيار وحيد، فأصبحت القيادة تتبنى خيارات أخرى أبرزها خيار تدويل الصراع بكل ما يستدعيه ذلك من تفعيل المواجهة الدبلوماسية والقانونية والمقاطعة ونزع الشرعية، بالإضافة للاقتراب أكثر من التبني الجدي لخيار المقاومة الشعبية والاقتراب أكثر من تفهم مراجعة الموقف من التنسيق الأمني.
من جانبها، إسرائيل وحكوماتها المختلفة استنفدت كل رصيدها من التلاعب وخداع الفلسطينيين والرأي العام الدولي، وبات لزاماً عليهما إعلان حقيقة نواياها، فهل هي جاهزة لدفع استحقاقات التسوية أم تختار استمرار الاستيطان والاحتلال.
الخيارات الإسرائيلية
ليس أمام إسرائيل المتمسكة بالاحتلال والاستيطان والتنكر للحقوق الفلسطينية سوى المواجهة، سواء كان ذلك أثناء الانتخابات أو بعد تشكيل الائتلاف الجديد، فهي لا تفهم الا لغة القوة ودفع الثمن.
والمواجهة الاسرائيلية لتوجهات السلطة ستتم – حسب التقديرات – على مستويات عدة تتصف بالشمول والمبادرة لتحقيق ثلاثة أهداف: ردع السلطة، واستبدال قيادتها، وتأكيد دورها الوظيفي الخدماتي لا تفكيكها.
تجميد تحويل عائدات الضرائب، وقد جرى فرض هذه العقوبة مرتين سابقاً على الأقل. وعلى الرغم من أن إسرائيل تهدّد علناً بأنها ستلجأ إلى المزيد من العقوبات التي قد تؤدي إلى تفكيك السلطة؛ فإنها تجتهد لإخفاء حقيقة مخاوفها من انهيار السلطة، حيث لا يزال بقاء السلطة يشكل مصلحة عليا لها أيضاً.
تغيير قيادي
إسرائيل التي تعجز عن تبرير سياساتها وتتهرب من تحمّل مسؤوليات فشل المفاوضات؛ تلجأ عادة إلى شخصنة الأزمة، هذا ما فعلته سابقاً مع الشهيد عرفات الذي اتهمته بالإرهاب وحملته مسؤولية فشل مفاوضات «كامب ديفيد»، وهي تلجأ اليوم لنفس الأسلوب مع عباس بعد أن فشلت في تطويعه وثنيه عن توجهاته، وفي هذا السياق عملت منذ سنوات على التشهير به والطعن في جديته وفي قدرته القيادية وشككت، فوصفته باللاسامي وباللاشريك، وبفرخ لم ينبت له ريش وبعديم القدرة، وبإرهابي في بزة رسمية، وادعت كثيراً أن جيشها وأمنها هو الذي يؤمن لعباس الاستمرار في الحكم في مواجهة تهديدات حماس.