ما الذي يريده الأردن من اسرائيل؟ وما الذي تريده إسرائيل من الأردن؟ الإجابة عن السؤال الأول تبدو سهلة، فما تريده المملكة أن تعيش بسلام «مع جارتها». وهو سلام يعني تنفيذ إسرائيل لكل الاتفاقيات التي وقعت عليها. لكن ما يدعو إلى القلق حد الخوف على المصير نفسه هو في سؤال: ما الذي تريده إسرائيل من الأردن؟

كان رئيس الوزراء الأردني عبدالله النسور واضحاً وهو يقول للصحافيين أول من أمس إنه لا إمكانية لإلغاء معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية «وادي عربة»، وأن لإلغائها كلفة اقتصادية تتعلق بالمانحين. هكذا تبدو الإجابة معقدة لكنها واضحة. العلاقات الاستراتيجية التي قامت بين الأردن وإسرائيل تبدو إلى حد بعيد علاقة المضطر.

«سلام الضرورة»، أو «الواقع» أو «علاقة المضطر» هو الوصف الذي أطلقه الخبير في شأن الصراعات الدولية عدنان برية على العلاقة الثنائية بين الأردن وإسرائيل وعنها يقول: «الأردن يطمح من إسرائيل أن تحميه من نفسها». ويضيف إن هناك العديد من الملفات التي يعتبرها الاردن محددات لمصير الدولة نفسها .

حل نهائي

بالنسبة إلى الأردن فإن معالجة ذلك تتم عبر إحراز عملية السلام تقدماً جوهرياً يفضي الى حل نهائي تنفذه الأطراف المتنازعة، أي أن توافق إسرائيل على قيام دولة فلسطينية مستقلة على أراضي الـ67. ويصف برية هذه الرؤية بالأولوية الأولى بالنسبة إلى الاستراتيجية الأردنية. أما النقطة الثانية فهي إيجاد ثمن عادل لوجود اللاجئين الفلسطينيين على الأراضي الأردنية.

يقول الخبير في الصراعات الدولية إن هذا الثمن لا يعني عودة اللاجئين، بل إنه ثمن يقدر بالعائد المالي لاستمرار وجود اللاجئين الفلسطينيين داخل الاردن.

بينما تكمن النقطة الثالثة في الحفاظ على شرعية الوصاية الأردنية على مدينة المسجد الأقصى واستمرارها، خصوصا انها وصاية ممتدة من عهد الشريف الحسين بن علي، مستمرة مع ملوك بني هاشم من أبناء عبدالله الأول وأبنائه.

لكن السؤال المتاهة ليس في ما الذي يريده الأردن من إسرائيل؟ بل في ما الذي تريده إسرائيل من الأردن؟ يقول برية: إنها تريد مكاناً يستوعب كل الفلسطينيين بعيداً عن حدود فلسطين التاريخية، وهنا تكمن مشكلة الأردن، لأن هذا يعني بالضرورة ذوبان الهوية الأردنية، في وطن بديل يرفضه الطرفان الأردني والفلسطيني.

الدولة النقيّة

وينقل برية عن سياسيين أردنيين خشيتهم من مواصلة اسرائيل لإكمال مشروع الدولة النقية. وقال: «هو مشروع استراتيجي مهم بالنسبة للمخطط الاسرائيلي».

كما أن إسرائيل تريد كذلك توقف الأردن عن المطالبة بأية صيغة للعودة، في حين أن لا تعرقل الوصاية الأردنية مشروع تهويد المدينة وتغير المعالم الإسلامية المشروع الذي تعمل عليه السلطات الصهيونية على قدم وساق.

هذا يعني بالضرورة أن الاستراتيجيتين الأردنية والإسرائيلية خطان متعارضان ومتصادمان. وعلى حد وصف برية فإن معادلة الصراع بين الأردن واسرائيل صفرية، أي بمعنى يجب أن يكون أحد الطرفين رابحاً كل شيء، والآخر خاسراً كل شيء.

مرحلة الحسم

لكن لماذا تبدو العلاقة اقل مستوى من الصدام الذي يتحدث عنه خبير الصراعات الدولية؟ يقول برية: لم تدخل العلاقة مرحلة الحسم بعد، وما جرى هو في أن الطرفين نفذا عملية تبديل لمضمون الصراع على مدى سنوات.

مشيرا الى ان هذا التبديل تضمن انتقال الصراع من حالة التفاهمات الضمنية التي كانت تجري بين الأردن قبيل احتلال الصهاينة لفلسطين، عبر تفاهمات «بهدن» منذ ما قبل النكبة مرورا بهزيمة 1948 و1967 وما تبعها من حالة «سلام الواقع»، أو ما يطلق عليه برية اسم، «سلام الضرورة» الذي استمر الى حين توقيع معاهدة وادي عربة التي نظمت العلاقة بما يعزز مكانة إسرائيل ودخولها الى المنطقة ومنها الاردن.

أهمية المعاهدة

وكانت أهمية معاهدة «وادي عربة» بالنسبة لاسرائيل أنها ضمنت لها أول اعتراف عربي بمسألة أحقية وجودها داخل الأماكن المقدسية وهي البند التاسع في المعاهدة، بل تضمنت الاتفاقية ما يؤكد أن لإسرائيل الأسبقية بمسألة الوصاية، ومن هنا دخل الصراع القانوني الدولي.

 من هنا يعرف برية عن قلق من ان «وادي عربة» هي معاهدة التفجير التي يمكن ان تؤدي الى استكمال المشروع الإسرائيلي.

ليست علاقة جوار

لا أحد في الأردن، يرى في العلاقة الأردنية الإسرائيلية علاقة جوار، كما لم تتمكن إسرائيل، أو كأنها لا تريد أن تنجح في أن تحوّل العلاقة مع المملكة إلى «علاقة جوار طبيعية»، هنا ستبقى العلاقة على حد السكين في انتظار حماقة إسرائيلية تنهي ما كان يفترض أن يكون بداية سلام.