نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، من الخروج من وسط حقل ألغام سياسي، وضعه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) فيه بعد جهد سياسي ودبلوماسي مضني وحنكة وصبر دام طويلاً، ودفع الفلسطينيون مقابله ثمناً كبيراً، إلا أن نتانياهو المعروف بدهائه السياسي أسقط حصار أبو مازن عنه، ووضعه وسط ذات الحقل، وأعاد المعادلة الدولية التي مالت قليلاً باتجاه القضية الفلسطينية في الآونة الأخيرة إلى حالها الأول، بعد توظيف اختفاء المستوطنين الثلاثة- عملية الخطف بحسب المزاعم الإسرائيلية- للخروج من مأزقها الدولي والانتقادات، وحالات المقاطعة غير المسبوقة، وفقدانها التعاطف الدولي الرسمي والشعبي، والأزمة الداخلية الحكومية، وإضراب الأسرى الإداريين.

مخطط معد مسبقاً

وبغض النظر عن كون اختفاء المستوطنين الثلاثة عملية اختطاف أو خطة إسرائيلية مفبركة يرى مراقبون أن نتانياهو أعد سلفاً خططه للانقضاض على الضفة الغربية المحتلة، وقطاع غزة، لإسقاط مسارهما باتجاه الوحدة والانتخابات البرلمانية والرئاسية، وتفعيل منظمة التحرير وتقوية هياكلها للاتفاق على مشروع وطني فلسطيني موحد، واستراتيجية مواجهة مدروسة.

ويؤكد المراقبون أن نتانياهو كان ينتظر الضوء الأخضر، لتنفيذ مخططه وقلب الطاولة للخروج من حصاره، وهو ما وفرته «حادثة الاختفاء» أو «عملية الاختطاف» التي يتخذها رئيس الوزراء الإسرائيلي ذريعة لدفع الكل الفلسطيني ثمناً سياسياً باهظاً، من خلال استهداف سلة أهداف سياسية، وعلى رأسها إفشال حكومة التكنوقراط، وبالتالي إفشال المصالحة المتعثرة، وإحياء الفتنة بين الحركتين فتح، وحماس من جديد، وهو ما نجح نتانياهو وآلته الإعلامية التحريضية في تحقيقه، في ظل عدم الوعي بخطورة المخطط الإسرائيلي، وأبعاده الرامية لإحالة بنية الوحدة التي انطلقت إلى رماد.

خلط الأوراق

واستطاع نتانياهو قلب أجواء الساحة الفلسطينية من صفو الوحدة والمصالحة إلى عاصفة تصعيد واعتقالات وقتل وإغلاق ومداهمة وترويع، فخلط بذلك الأوراق جميعها، تاركاً المجهول يعصف بالمنطقة التي تتخبط على وقع تطورات «الخطف»، والإجراءات الإسرائيلية الموازية، التي خلقت واقعاً من التضييق مشابهاً لما اختبرته فلسطين في انتفاضة الأقصى.

وبحسب المحلل السياسي، إبراهيم أبراش فإن خلط الأوراق هذا يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية في الضفة المحتلة أكثر من غزة موجهة ضد السلطة أكثر مما هو ضد حركة حماس، بعكس الظاهر، ويلخص أبراش مساعي نتانياهو في التالي: «إبعاد الأنظار عن مأزق المفاوضات والعملية السياسية والانتقادات الدولية الواسعة لإسرائيل بسبب ممارساتها الاستيطانية والعنصرية، والتركيز على الجانب الأمني.

حيث ستُظهر إسرائيل نفسها بمظهر الضحية»، إضافة إلى إفشال حكومة التكنوقراط وبالتالي إفشال المصالحة المتعثرة أصلاً، وإظهار السلطة الفلسطينية بمظهر العاجز عن القيام بمسؤولياتها الأمنية، وإضعاف السلطة في الضفة المحتلة، وإذلالها وزيادة الشرخ بينها وبين الشعب، نظراً لكون الرئيس اعتاد في خطاباته التركيز على الرسالة الدولية من حديثه أكثر من توجيه خطابه للشعب.

وهو ما يعطي الفرصة للكثيرين بتوجيه إصبع الاتهام لعباس والسلطة والأجهزة الأمنية، وإخراج نتانياهو من أزمته الحكومية، وكسر حالة التأييد والتعاطف الدولي مع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، أو على الأقل إبعاد الأنظار عن قضيتهم ومعاناتهم والقيام بإجراءات أمنية في الضفة والقدس المحتلتين، كتكثيف عمليات الاعتقال وتشجيع اليهود على فرض أمر واقع في المسجد الأقصى، تكثيف الاستيطان، زيادة الحواجز والمناطق الأمنية، تسريع إصدار تشريع من الكنيست بمنع إطلاق سراح أسرى فلسطينيين، من خلال المفاوضات أو ضمن عمليات مبادلة أسرى.

 

ذروة النجاح

يرى المحلل السياسي عبد الله البوم في تصريحات لـ«البيان» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو استطاع تحقيق مخططه بشكل جزئي في إفشال حكومة الوحدة الفلسطينية، مؤكداً أن الخطة ستبلغ ذروة نجاها بتحقيق كامل الأهداف في الأيام المقبلة في ظل العجز الفلسطيني عن مواجهة هذا المخطط، بعد أن دق نتانياهو إسفينه بين حركتي فتح، وحماس من جهة، والسلطة، وحماس من جهة أخرى.