حكومة إسرائيل تخرج عن طورها كلما تقدمت عجلة المصالحة الفلسطينية خطوات إلى الأمام، ولاحت في الأفق بشائر عودة اللحمة الوطنية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وعادة ما ترد إسرائيل على هكذا تطور بتصريحاتها تهديدية تارة، وتشكيكية بتمثيل الرئيس محمود عباس والسلطة للفلسطينيين. وبعد الاتفاق الأخير بين حركتي فتح وحماس، أطلقت إسرائيل التهديدات نفسها، وبخاصة تجميد أموال الضرائب الفلسطينية، فضلاً عن الإجراءات العدوانية الأخرى بموازاة قرار وقف الاتصالات مع السلطة. اتفاق المصالحة الموقع لم يتم تنفيذه بعد، ويبدو الفلسطينيون أصحاب المصلحة الأولى والحقيقية بالمصالحة في مواجهة لحظة اختبار صعب أمام تهديدات إسرائيل وإجراءاتها.
ذريعة التسوية
الإدارة الأميركية تقف المواقف العدائية ذاتها من المصالحة الفلسطينية بذريعة أن هذه الخطوة، «لا تخدم» التسوية السياسية المعطلة منذ انطلاقها نهاية العام الماضي. فما أن أعلن عن توقيع اتفاق المصالحة في غزة حتى سارع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، إلى اتخاذ قرار بوقف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومقاطعة السلطة سياسياً وفرض عقوبات اقتصادية مؤلمة عليها. وفي السياق ذاته جاءت تصريحات نتانياهو خلال لقائه بوزير الدفاع الأميركي «تشاك هاغل» في مكتبه في القدس المحتلة حين قال «إن شركاءنا الفلسطينيين يتقدمون نحو المصالحة مع حماس التي صنّفتها الولايات المتحدة على أنها تنظيم إرهابي»، وعاد مجدداً لتخيير السلطة بين السلام والمصالحة مع حماس أو السلام مع «إسرائيل».
وحدة الصف الفلسطيني
ويشير المحلل السياسي محمد جمال في حديثه لـ«البيان» إلى وحدة الصف الفلسطيني في مواجهة تصعيد الاحتلال لإفشال المصالحة، عبر الاعلان عن تسريع تطبيق الاتفاق رداً على هذه التهديدات. وأضاف «يبدو واضحاً أن التهديدات الإسرائيلية والأميركية لن تنال من اتفاق المصالحة في ظل وحدة فلسطينية فصائلية وشعبية ووقفة عربية خلف الاتفاق. وفي تطور لافت تقدمت حركة حماس موجة الدفاع عن الرئيس محمود عباس، داعية إلى تسريع إجراءات تحقيق المصالحة كرد على تهديدات إسرائيل بمقاطعته. وقال الناطق باسم «حماس» فوزي برهوم، في بيان، إن تهديدات إسرائيل لـعباس وتخييره بين المصالحة مع حماس أو السلام معها «تأكيد على أن السبب الرئيسي في شق الصف الفلسطيني وتدمير الخيار الديمقراطي والانقسام هو العدو الإسرائيلي ومن خلفه الإدارة الأميركية وتدخلاتهم المباشرة في الشأن الداخلي الفلسطيني. وأضاف أن التهديدات الإسرائيلية «دليل على حالة الإفلاس التي تعاني منها حكومة الاحتلال التي تلجأ إلى التهديد والوعيد كلما تقاربنا فلسطينيا».
العهر السياسي
ويرى مراقبون ازدواجية في مواقف حكومة إسرائيل من المصالحة، ويتضح هذا من سياسات حكومة نتانياهو الرافضة لعملية سلام حقيقية والتي تلجأ لقرارات هدفها تخريب العملية. ويرى هؤلاء أن اعتراض نتنياهو على المصالحة ينطوي على تناقض، فهو شخصياً وقع اتفاق تهدئة مع «حماس» بعد العدوان الأخير على غزة، وهو أيضاً وقع على صفقة تبادل أسرى مع «حماس» وبضمنها أطلق سراح أسرى من فلسطينيي 48. لذلك يبدو رفض نتنياهو وحكومته للمصالحة بحجة «حماس» فيه كثير من العهر السياسي، حيث يعتقد أن من حق إسرائيل أن تفاوض حماس وتتفق معها، ولا يجوز لرئيس فلسطين أن يفاوض حماس ويتفق معها». وأضاف «لن نكترث بهذه المواقف وسنواصل عمل ما نراه مناسباً لمصالحنا الوطنية، وليس لدينا مشروع أهم من المصالحة حتى نتقدم في مسيرة التخلص من الاحتلال وبناء أسس دولتنا العتيدة».
خدمة إسرائيل
رفض محمد المدني عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس لجنة التواصل مع المجتمع الاسرائيلي في منظمة التحرير- لبنان 24، التهديدات الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية المتلاحقة في الأيام الأخيرة. مؤكداً على أن «المصالحة الفلسطينية بين منظمة التحرير وبين حماس لا تضر بإسرائيل بتاتاً كدولة وكشعب، بل هي تخدم مصالحها بقدر ما تخدم مصالحنا، لكن المشكلة أن القادة الحاليين في إسرائيل يتصرفون بعمى مطلق فلا يرون ولا يدركون حقيقة ما يدور من حولهم».