في لبنان، تجمّعت النهايات والبدايات لاستحقاق الـ25 الجاري، لكن ملفاً متوتراً آخر أطلّ برأسه في المشهد السياسي اللبناني الذي يدور في حلقة مفرغة في متاهة استحقاق شغور مقعد الرئاسة، ففي 24 الجاري سيتحرّك البطريرك الماروني بشارة الراعي جنوباً، في زيارة مثيرة للجدل، إلى القدس وبيت لحم.

كان الإعلان عن الزيارة المرتقبة للبطريرك الماروني إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة شكّل مناسبة لتظهير الانقسام اللبناني وتبادل الاتهامات والتخوين رغم أنّ الحضرة البابوية في الفاتيكان أسهم في إمكانية العودة عنها عندما أعطى الراعي أسباباً موجبة لتفاديها، قائلاً إن البطريرك الماروني ليس جزءاً من الوفد الرسمي المرافق للبابا فرنسيس إلى الأراضي المقدسة وهو ذاهب بمبادرة منه. من جهته، أعلن البطريرك الماروني أن مرافقته للبابا هي زيارة «رعوية وليست سياسية»، فالأراضي المقدسة في فلسطين تابعة لبطريركية أنطاكيا وسائر المشرق، وبالتالي من الطبيعي أن يكون فيها، لاستقبال البابا، ولزيارة رعاياه هناك.

وكان البعض انتظر أن يخرج مجلس المطارنة الموارنة بموقف مضاد لرئيسه البطريرك الراعي، أو ربما «موقف تراجعي» يتعلق بزيارته القدس، إلا أن المجلس قفز فوق النقاش الدائر حول تلك الزيارة ومحاذيرها وحيثياتها، ربّما باعتبارها «تحصيلاً»، أو أنه أراد بذلك تفادي الدخول في سجال حول الزيارة، بحسب مصادر مطّلعة.

فما إن تمّ تسريب خبر الزيارة، حتى اشتعلت الساحة الإعلامية اللبنانية مخوِّنة البطريرك، ومعتبرة أنه أخطأ «الخطيئة الكبرى». وتبارز البعض في اتهامه بالخيانة والعمالة والتطبيع، مقابل أساقفة وسياسيين دافعوا عن البطريرك وحريّة خياره، من بوّابة كونه لا يخرق قانون العقوبات اللبناني الذي يجرّم التعامل مع إسرائيل والاتصال بالعدو. فما يقوم به الراعي لا يُعتبر تعاملاً ولا اتصالاً من الناحية القانونية، بل عملاً كهنوتياً أجازته الأعراف القانونية.

وجهتا نظر ببعض الصحّة

أما من الناحية السياسية، فيمكن لوجهتَي النظر أن تحملا بعضاً من الصحة. فالذين عارضوا زيارة البطريرك للقدس اعتبروا أنه لن يستطيع تحاشي الإحراج الإسرائيلي، خصوصاً أن إسرائيل تبدو مصرّة على إحراجه وتركيز الإعلام عليه، ومحاولة الاستفادة منها إعلامياً. لكن وجهة النظر الأخرى تشير إلى الحصار الذي تمارسه سلطات الاحتلال على الفلسطيني، وسياسة تغييب الهوية الوطنية الفلسطينية، بالإضافة إلى منهجية الاحتلال في إفقار القدس وسكانها، ودفعهم إلى البحث عن لقمة العيش خارج المدينة لإكمال حلقات التهويد عبر تضييق الخناق على النشاط الاقتصادي للمقدسيين، وتعزيز اقتصاد المحتلين.

موقف الرئيس

وفي المواقف الرافضة للزيارة، برز موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي، وبحسب معلومات توافرت لـ«البيان»، صارح سيد بكركي بأنه يفضل عدم القيام بهذه الزيارة، في ظلّ مناخ الانقسام الوطني الذي يحيط بها، فضلاً عن عدم نضوج ظروفها الاقليمية. وبالتالي، أبدى سليمان استعداده لتأمين الغطاء السياسي لأي موقف قد تتخذه البطريركية المارونية في اتجاه صرف النظر عن هذه الزيارة المثيرة للجدل، طالما أن الكرسي الرسولي لا يطلب ولا يفرض أي توجّه محدد في هذا الشأن، وطالما أن القرار متروك لكرسي أنطاكية وسائر المشرق، أي للراعي شخصياً. وبحسب المعلومات، دافع الراعي عن قراره، وأوحى لرئيس الجمهورية بأنه لن يتراجع، وقال إنه لا يمانع قيام المؤمنين في المستقبل برحلات حج إلى الأراضي المقدسة.

تراجع إعلامي

وعلى الرغم من أن مناقشة زيارة الراعي الى القدس قد سحبت من التداول الإعلامي والعلني نسبياً، استناداً الى ردّ فعل غاضب أبداه البطريرك على تطاول على موقعه، في ضوء إعطاء تفسيرات وأبعاد لهذه الزيارة في غير وجهتها الأصلية من جهة، ورفضاً لمحاولات إملاء ضغوط علنية على كنيسة لم تتصف يوماً بخضوعها لها من جهة ثانية، فإن بعض «قوى 14 آذار» لا يزال يتولى مهمة الدفاع عنها، ولا سيما القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية.

في المقابل، تلتزم قوى 8 آذار الصمت حيال الزيارة، وخاصة التيار الوطني الحر والمردة اللذين يرفضان أي تشكيك في نوايا الراعي الوطنية. أما حزب الله، فحاول ثني الراعي عن القيام بزيارة القدس المحتلة. وقدّم وفد منه، زار الراعي منذ أيام، كل ما يعتقد أنها أسباب وطنية موجبة لتأكيد وجهة نظره، من دون أي تشكيك بخلفيات الراعي ونياته، ولا سيما في ضوء وجود إشارات الى نيّات الإسرائيليين لجهة محاولتهم توظيف الزيارة والاستفادة منها. في المقابل، أبلغ الراعي وفد حزب الله أن الزيارة دينية، وقال: «أنا لا أزور القدس للتطبيع، بل ذاهب للقاء رعيّتي المسحوقة، وللقول إن القدس لنا وليست لهم، وإن إسرائيل هي عدو لبنان ومصدر الشرور كلها. أنا ذاهب لكي أشجع المسيحيين على الثبات في أرضهم»، حسبما نقِل عنه.

إضاءة

برنامج زيارة الراعي إلى الأردن والأراضي المقدسة برفقة الوفد البابوي يمتد إلى سبعة أيام.

ويضم الوفد البابوي اللبناني ثلاثة أشخاص فقط: الراعي ونائبه البطريركي العام المطران بولس صياح، الخبير في شؤون الأراضي المقدسة التي خدم فيها رعوياً طوال 16 عاماً، بالإضافة الى مستشاره وليد غياض. ولأن الأخير لا يملك جواز سفر فاتيكانياً، سيصار الى اعتماد صيغة «إذن مرور» على جواز سفره اللبناني، كي لا يتلوّث بالختم الإسرائيلي.