حينما يزور المرشح الأوفر حظاً للفوز بانتخابات الرئاسة في أوكرانيا بيترو بوروشينكو إسرائيل سراً طالباً دعمها لصد العدوان الروسي، فهذا يعني أن كييف غير راضية إطلاقاً على موقف تل أبيب من الأزمة.
ولم يكن لدى بوروشينكو بطبيعة الحال أية أوهام بشأن كسب إسرائيل إلى جانب الأوكرانيين بقدر ما هدفت زيارته على أقل تقدير إلى تحييد الإسرائيليين ودفعهم إلى تخفيف حماسهم الزائد تجاه روسيا وميلهم إلى جانبها بشكلٍ لم يعد خافياً.
والحال، أن باستطاعة إسرائيل إغضاب الولايات المتحدة في غير ملفٍ خارجي، فهناك لوبي نافذ داخل واشنطن بإمكانه إصلاح ما يفسده حكام تل أبيب. لكن العلاقة بين تل أبيب وموسكو تختلف، بل عكس، ما هي عليه مع الأميركيين.
فاللوبي اليهودي إياه في الولايات المتحدة ينقلب إلى لوبي روسي داخل إسرائيل مكون من اليهود الذين هاجروا من الاتحاد السوفيتي السابق وباتوا يشكلون أكثر من سُدس الناخبين، وهي نسبة معتبرة في مجتمعٍ يتألف من خليطٍ متنوعٍ إلى حدٍ كبير.
وهؤلاء، لا يمكن لأي رئيس وزراء إسرائيلي إغضابهم لأنه سيدفع ثمناً باهظاً في صناديق الاقتراع، بالنظر إلى أن أغلب الائتلافات الحكومية الإسرائيلية باتت تتشكل بأغلبية بضعة مقاعد لا أكثر.
كما أن المتابع للقنوات التلفزيونية الإسرائيلية يشعر وكأنه يشاهد المحطة الروسية الأولى أو قناة «روسيا اليوم» في تغطيتها للأحداث في أوكرانيا من خلال انحيازها السافر نحو وجهة نظر الكرملين، حيث يتميز اليهود الإسرائيليون من أصل روسي باحتفاظهم بولاءٍ منقطع النظير لوطنهم الأم وتصويتهم في أحيانٍ كثيرة تبعاً لإرشادات قادتهم المحتفظين بدورهم بصلاتٍ حميمية مع موسكو التي لا تخفيها بل تعمد إلى التذكّير بها دائماً.
معاداة السامية
ولا يمكن نسيان المرثيات التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه بُعيد وفاة رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون، حينما أشار في برقية التعزية إلى «نشاطه في الدفاع عن مصالح إسرائيل وتمتعه بمكانة رفيعة على الساحة الدولية».
ومن هنا، يمكن فهم الأسطوانة المشروخة التي يعزف عليها بوتين مراراً بشأن ما يسميه «ازدياد المشاعر المعادية للسامية» في أوكرانيا منذ تسلم العهد الجديد الحكم، في محاولة مفضوحة لاستجرار عطف وتأييد إسرائيل.
كما باستطاعة المرء معرفة سبب إحجام تل أبيب عن دعم كييف وإغضاب واشنطن وتفضيلها نيل رضا الكرملين وانغماسه في العدوان على أوكرانيا وإثارة القلاقل هناك، من خلال الأرقام الخاصة بهجرة يهود أوكرانيا إلى إسرائيل والتي ارتفعت منذ الأزمة، وهو ما يفسر كذلك هذا التراخي لدى الغرب المنهمك هو أيضاً بحساباته التجارية مع موسكو.
كتلة الناخبين
وفضلاً عن ذلك، فإن كتلة الناخبين اليهود الروس في إسرائيل توصف بأنها الأكثر تشدداً حينما يتعلق الأمر بملف المفاوضات مع الفلسطينيين ويمينية محافظة في ما يخص القضايا الداخلية، وهو الأمر الذي تدعمه توجهات تلك الكتلة التي صوتت بأقل بقليل من نسبة الثلثين لصالح ائتلاف «ليكود بيتنا» الذي يتكون من حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو و«إسرائيل بيتنا» بزعامة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، وكلاهما بعيدان بكل تأكيد عن عش الحمائم.
غضب واشنطن
كشف مسؤولون أميركيون مؤخراً عن غضب البيت الأبيض بسبب سياسة الحياد التي تتخذها إسرائيل إزاء الأزمة الأوكرانية، معربين عن خيبة أملهم من امتناع تل أبيب عن دعم الموقف الأميركي ضد روسيا. وأكد مسؤول أميركي أن أحد أسباب غضب البيت الأبيض هو تغيب إسرائيل عن جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت قبل أسابيع للتصويت على قرار يدين التدخل العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم.
