لا تخفي إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما بأنها ترمي من إصرارها على عقد «جنيف 2» إلى «إطلاق عملية» سلام في سوريا. سقطت من خطابها في الآونة الأخيرة مقولة «على الأسد أن يرحل». غابت ولو بالتلميح. وعبارة «عملية» Process - تستحضر سيرة اتفاقية أوسلو، بما هي مسلسل من الجلسات وليس المفاوضات، مفتوح على الزمن. غياب الالتزام بغرض محدّد يجري التفاوض لبلوغه في مدة معيّنة، يحوّل العملية إلى رفع عتب وتقطيع وقت وبالتالي إلى متاهة تتفاقم معها المشكلة. هكذا جرى للملف الفلسطيني. والآن يبدو الملف السوري مرشحاً للوقوع في دوّامة مشابهة.
تطبيق جنيف1
الكل ذاهب إلى المؤتمر تحت شعار تطبيق «جنيف1». وبالذات البند الوارد فيه حول تشكيل «حكومة انتقالية» سورية. لكن كل طرف له تفسيره لهذا البند وبالتالي لمشاركته في المؤتمر.
المعارضة تتوسل المؤتمر للإطاحة بنظام الأسد. وافقت على المشاركة بشق الأنفاس وبعد ضغوط هائلة لا قدرة لها على تحدّيها. فهي لا خيار لها في ضوء المعطيات القائمة، سوى الحضور. بخلافه، تخسر دولياً. لكن لا ضمان للربح سورياً. وحتى واشنطن تقول بذلك.
النظام، قاصد المؤتمر «لمحاربة الإرهاب». يزمع مع حلفائه، تحويل الحدث في هذا الاتجاه. خاصة وأن وضعه الميداني أفضل من قبل والمعارضة في وضع أضعف. وثمة إشارات وإن مبهمة، حول «تفهّم» أوروبي وأميركي لهذا الجانب المتعلق بالارهاب.
منها ما تردد قبل أيام بشأن طلب جهات استخباراتية غربية من دمشق للتعامل معها في هذا المجال. سئلت الخارجية الأميركية عن مدى صحة هذه المعلومات التي صدرت عن دمشق، فنفت علمها بالموضوع . لكنها لم تقطع بعدم حصول مثل هذا التعاون. مصادر اخرى قالت إن مثل هذا الاتصال كان ربما لرصد المجموعات المقيمة في اوروبا واميركا والتي غادرت إلى سوريا للقتال مع «المتطرفين».
واشنطن وموسكو
تبقى موسكو وواشنطن. الأولى تحجب موقفها من المؤتمر بشعار ملغوم مفاده بأن القرار يعود للشعب السوري في تقرير مصيره ! الثانية تتلطّى خلف طرح مفخخ يقول بأن أي اتفاق لا بدّ وأن يحصل «بالتراضي» بين الجانبين، النظام والمعارضة.
كلتاهما، واشنطن وموسكو، تعرفان تماماً أن القرار ما عاد بيد السوريين وأن حصول التراضي أقرب إلى المعجزة. مع ذلك تصرّ الإدارة الأميركية عليه ومن دون تحديد سقف زمني معقول.
«نعم نحن نعمل لإطلاق العملية»، تقول الخارجية في ردّها على سؤال «البيان». ما بعد الانطلاق متروك «للمؤتمرين». ذات المعزوفة التي طالما اعتمدتها واشنطن في التعامل مع ما يسمى بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والتي حصرت الدور الأميركي بالعمل على «تسهيل» المفاوضات. وبعد 20 سنة كانت النتيجة تسهيل امر اللعبة الإسرائيلية فقط لا غير.
الآن عادت واشنطن إلى نفس الوظيفة. وعدت على لسان الوزير كيري في بيانه الترحيبي بتصويت المعارضة على حضور المؤتمر، الشعب السوري بالوقوف إلى جانبه. وفي ذات الوقت كرّرت أن التفاوض هو «السبيل الوحيد» للخلاص. لكن من غير الالتزام بخلاص معيّن. وثمة من المراقبين من يرجّح تعرّض المعارضة داخل المؤتمر إلى ضغوط كالتي انصبّت عليها للموافقة على المشاركة وبما يؤدي إلى المزيد من شرذمتها وبالتالي تحويل الأزمة السورية بالأساس إلى مواجهة مع القوى الأصولية والإرهاب.
في ضوء القرار الدولي الذي سعى إلى هذه النتيجة، كان لا فكاك من المؤتمر. لكن الألغام المزروعة في حقله قد تؤدي إلى استخدامه كجسر عبور إلى إعادة صياغة الأزمة بصورة مختلفة ولأغراض أكبر وأخطر.