لا تزال غرفة نوم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبوعمار) التي تتسم بالبساطة الشديدة على حالها إلى حد بعيد منذ غادرها في 2004 عندما نقل جوا إلى فرنسا للعلاج من مرض غريب قبل ان يعود بعد أسبوعين إلى وطنه في نعش.

والغرفة أشبه بزنزانة في سجن منها بمكان معيشة لزعيم عربي حيث تضم سريرا وحيدا يرتكن إلى جدار إضافة الى مبرد صغير لا تزال به بعض الأدوية التي انتهت فترة صلاحيتها منذ فترة طويلة وزيه المموه القديم المرصع بشارات لامعة يتدلى في خزانة ملابس صغيرة.

ويعطي الباب المؤدي إلى الغرفة المجاورة لمحة نادرة عن عالم مغلق منذ فترة طويلة ويكشف عن النعش الخشبي الذي عاد فيه جثمانه إلى رام الله.

ودفن جثمان عرفات قبل نحو تسع سنوات لكن نظريات المؤامرة التي تشير إلى وفاته مسموما لم تدفن قط حيث تطايرت الاتهامات في كل الاتجاهات.

وإذا ظهرت أدلة على أن إسرائيل قتلت الزعيم الفلسطيني فقد يقضي العداء الموروث على فرص السلام لسنوات مقبلة. وظهور دليل على أن أحد المقربين من عرفات قتله يمكن أيضا أن يطيح بجيل من السياسيين لا تزال لهم الهيمنة في الضفة الغربية المحتلة.

ولا يساور عماد أبو زكي أحد الحراس الشخصيين لعرفات والذي كان مقربا منه أدنى شك بخصوص الفاعل. ويقول إن الزعيم الفلسطيني «الريس» لم يكن لديه أدنى شك في ذلك أيضا.

وتذكر زكي كلمات لعرفات ذات يوم وهو على فراش المرض قال فيها إن الإسرائيليين قضوا عليه.

وطالما افترض اغلب الفلسطينيين أن إسرائيل قتلت زعيمهم،

وتعززت تلك القناعة بالنتائج التي أعلنها هذا الشهر معمل سويسري للطب الشرعي وأظهرت أن عظام عرفات تحتوي على كميات أعلى من المعدلات الطبيعية من عنصر البولونيوم المشع.

لكن الجميع لا يتفقون في توجيه الاتهام لجهة واحدة. فالبعض ومنهم سها أرملة عرفات لمحوا إلى أنه قتل على يد أحد المقربين منه.

وقالت سها عرفات إنها واثقة من أن المسؤولية تقع على عاتق احد المقربين منه واصفة وفاته بأنها «اغتيال سياسي».

وحاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي عرفات قبل وفاته لمدة 41 شهرا في مقره الذي تعرض للقصف في رام الله.

ولمح رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الحين ارييل شارون بنبرة تنطوي على تهديد في حديث لصحيفة معاريف في سبتمبر 2004 إلى رغبته في التخلص من عرفات، مشيرا إلى أن إسرائيل قتلت في وقت سابق من نفس العام زعيمين في حركة «حماس». وقال شارون «بخصوص مسألة عرفات سنعمل بنفس الطريقة .. في الوقت المناسب». وبعد شهر تقريبا من تصريحات شارون مرض عرفات بشدة.

ويتذكر إبراهيم أبو النجا وزير الزراعة الفلسطيني في ذلك الحين عندما كان يتناول العشاء مع عرفات في 14 اكتوبر في المقاطعة حيث كانت البراميل المملوءة بالاسمنت تسد النوافذ لتقليل ضرر الانفجارات في حالة وقوع اعتداء إسرائيلي.

وقال أبو النجا إن عرفات كان على ما يرام عندما رآه وكان يبدو بصحة جيدة.

وقال إنه كان يوجد طبق حساء أمام عرفات تناول منه رشفة بملعقة لكنه بدا مختلفا ووضع يديه على فمه وتقيأ مضيفا أنه لم يسترد عافيته بعد ذلك أبداً.

وكان مساعدوه قالوا في البداية إنه يعاني من الانفلونزا. وجاءت فرق طبية في البداية من مصر ثم من تونس لفحصه. لكنه نقل في نهاية المطاف إلى بارس في 29 اكتوبر قبل ان يتوفى في 11 نوفمبر. وقال أطباء فرنسيون إنهم لم يتمكنوا من تحديد سبب الوفاة.

وبعد ذلك بأسبوعين فتح الفلسطينيون تحقيقا لم يتوصل إلى شيء. وعادت القضية لدائرة الضوء في العام الماضي عندما حصلت قناة الجزيرة القطرية على أجزاء من الملابس التي كان يرتديها عرفات بالمستشفى وقامت بتحليلها في سويسرا.

واكتشف معهد فيزياء الاشعاع التابع لمستشفى جامعة لوزان مستويات أعلى من المعدلات الطبيعية من عنصر البولونيوم 250 وفتح قضاة فرنسيون تحقيقاً جنائياً.

وأخذت عينات من رفاة عرفات العام الماضي وسلمت لخبراء من سويسرا وفرنسا وروسيا.

وقال السويسريون مرة أخرى إنهم اكتشفوا مستوى مرتفعا من البولونيوم. وكانت النتائج الروسية اقل حسما بينما لم يتم تقديم النتائج الفرنسية حتى الآن.