ما زال الحديث في مصر جاريًا حول المُسمى الحقيقي لتحرك القوات المُسلحة المصرية، من أجل الانتصار للشعب المصري ولرغبته في الإطاحة بالسلطة الإخوانية الحاكمة، ففي الوقت الذي يُصر البعض على نعت ذلك التحرك بأنه انقلابٌ عسكريٌ مكتملٌ الأركان، يؤكد الثوار وجموع القوى السياسية كون ذلك الأمر يأتي في نطاق الانتصار للإرادة الشعبية التي خرجت ضد الرئيس مرسي في 30 يونيو الماضي مُطالبة إياه بـ «الرحيل» كحل رئيسي ومهم جدًا للمروق من الأزمة السياسية الراهنة، وكان تدخل الجيش وفق مسؤوليته الوطنية إزاء الشعب المصري وتأكيدًا على كون ولائه للشعب.
ودخلت الإدارة الأميركية نفسها في خضم ذلك الجدل، ولم تُحدد بوجه عام طبيعة التحرك ووصفه، واكتفى الرئيس أوباما بالتأكيد على كون الأجهزة الأميركية المعنية، تعكف حاليًا على تقييم أبعاد الخطوة التي اتخذها الجيش المصري ومدى تأثيرها في المساعدات الأميركية، في الوقت الذي أكد فيه على أنه لو تم اعتبار ذلك التحرك انقلابًا عسكريًا فإن ذلك سوف يدفع بقطع المساعدات العسكرية عن مصر.
ويُصر فلول الرئيس المخلوع محمد مُرسي وجماعة الإخوان على نعت ذلك الحدث الجلل في تاريخ مصر بأنه انقلاب كذلك، حتى مُرسي نفسه وصف في الفيديو المُسرب له عقب إلقاء السيسي لبيانه أن ذلك التحرك يُعد «انقلابًا عسكريًا مكتمل الأركان»، وهو ما نفاه فقهاء الدستور والقانون، مؤكدين أن الإرادة الشعبية كانت مُحركا للحدث، وبتعاون مع كل القوى والفصائل السياسي المختلفة.
ثورة عارمة
من جانبه، قال أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة ثروت عبد العال، إنّ «ما حدث من قبل القيادة العامة للقوات المسلحة لا يعد انقلابًا، ولابد أن نفرق بين الانقلاب والثورة، فالأول هدفه الاستيلاء على السلطة، والثاني هي حركة شعبية، والجيش المصري لم يستول على السلطة، ودفع بها إلى رئيس مدني هو رئيس المحكمة الدستورية العليا»، مؤكدًا أنّه «ليس هناك نية من قبل القوات المسلحة للاستيلاء على السلطة، بل تدخلها كان لحماية الشعب وإرادته، وأن ما يحدث الآن في كل الميادين هي ثورة عارمة لتصحيح مسار ثورة 25 يناير وفقًا للمعايير الدستورية، وموقف القوات المسلحة جاء استجابةً لإرادة الشعب، ولا يعتبر الجيش نفسه طرفًا في المعادلة السياسية».
وتابع: «القوات المسلحة مؤسسة وطنية مشهود لها بتلك المواقف الوطنية، والتاريخ يشهد على ذلك، فقد استجابت لإرادة الشعب في 1968، وكذلك 1977، وأيضا في ثورة 25 يناير، مؤكدًا أن هذا هو دورها الوطني، وهذا هو الدور الذي نتمناه، ونتوقع منه تلك المواقف الذي ستجنب مصر الوقوع في مشاكل وأزمات وكوارث سياسية خلال الفترة المقبلة».
ضيق مفاهيمي
أما الفقيه الدستوري محمد نور فرحات، فأكد أنّ «مرسي يحاول أن يروج خارجيًا أن ما يحدث في مصر انقلاب لأن مفهومه عن الشرعية ضيق للغاية، ولابد أن يعلم أنّ الشرعية في القانون والعلوم السياسية والفلسفة السياسية هي رضا الشعب عن حاكمه»، مستطرداً: «ما فعلته القوات المسلحة هو حراسة الإرادة الشعبية التي تعتبر مصدر السلطة الحقيقية»، مؤكدًا أن خطابات مرسي وتهديداته وتمسكه بالشرعية الصندوقية فضلًا عن تجاهله لمبادئ الإرادة الشعبية أودت بحياته السياسية، وأنهت وجود الإخوان بمصر والمجتمع الإسلامي.
خطر إخوان
في السياق، أوضح أستاذ القانون الدولي د.علي الغتيت أن خطاب مرسي الأخير أوضح أنّ الخطر حان، وكان هذا هو المبرر الحقيقي الذي ورد في الدستور والذي دفع القوات المسلحة إلى الالتزام بحماية الآمن القومي، إذ إنّ مرسي وعشيرته يتخذون من مصر مقرا لدولته لرعاية الإرهاب، مؤكدًا أن ضبط النفس وعدم الانحراف عن القواعد التي نادى بها التظاهر السلمي أوصل الشعب المصري إلى هذه النتيجة الإيجابية، مبيّناً أنّ «الإخوان يحاولون الترويج لفكرة الانقلاب لمزيد من الحصار الاقتصادي للبلاد، وقطع المعونة الأميركية عن مصر، فضلًا عن قطع العلاقات الخارجية وأن يكون الحق للخارج في التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، وتناسوا أننا نمتلك قانونا قائما على القوة».
وأشار إلى أن الشعب وحده صاحب السيادة، وأن موقف القوات المسلحة تاريخي، موضحًا أن ما ارتكبه مرسي من جرائم يرتقي بعضها إلى الخيانة العظمى، مثل دعوته إلى التدخل العسكري في شؤون سوريا الداخلية.

