يقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس في موقف لا يحسد عليه أمام خيارين صعبين، في ظل المماطلة الإسرائيلية لتحريك عملية السلام، بين العودة إلى المفاوضات من دون تحقيق شروطه الأساسية المتمثلة بوقف الاستيطان وتحرير الأسرى القدامى والاعتراف بحدود العام 1967، وبالتالي مواجهة غضب الشارع الفلسطيني. أو رفض المقترحات الأميركية والمجازفة بالتعرض إلى عقوبات مالية وسياسية، تضع الرئاسة والحكومة ومنظمة التحرير وجهاً لوجه مقابل موجة من سخط المواطن الذي نفد صبره، مطالباً برواتبه ومستحقاته المالية.
فشل خامس
التصريحات التي أعقبت اجتماع الرئيس عباس بوزير الخارجية الأميركي جون كيري في رام الله بدت خجولة، ظاهرها دبلوماسي وباطنها يحمل فشلاً جديداً لجولة خامسة من المباحثات المكوكية.
ورجح مراقبون ومسؤولون فلسطينيون ألا تحمل مقترحات كيري الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية.
ويقول خبير الاستيطان جمال جمعة لـ«البيان» إن تلك التوقعات صارت حقيقة، لأن كيري لم يقدم حتى الآن أي جديد.
ويضيف جمعة: «لا زالت الحكومة اليمينية في اسرائيل تضع الاستيطان على رأس سلم أولوياتها، بالإضافة إلى التنكر لتفاهمات حل الدولتين، والإصرار على بدء ماراثون تفاوضي جديد تحكمه أعراف الأمر الواقع بعيداً عن القوانين والمعاهدات الدولية».
خيارات محدودة
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية سعيد داوود في حديثه لـ«البيان» أن هذا الواقع يضيق الخيارات أمام الرئيس عباس، «الذي يجد نفسه مضطراً للجوء إلى أحد الخيارين أحلاهما مرّ، بين العودة للمفاوضات واللا عودة، ودفع التكلفة الغالية على الناحيتين».
ويضيف داوود أن «الرئيس بين نارين، ففي حال العودة إلى المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان، يجازف عباس بخسارة الموقف الشعبي الرافض لذلك، وسيخسر التفاف الشارع حوله من جديد في أية خطوة أخرى يدعو إليها عند فشل المفاوضات مرة أخرى، وفي حال رفض المقترحات الأميركية فإنه يجازف بخسارة الدعم المالي وتعريض مواطنيه للجوع والفقر والحرمان في وقت أحوج ما تكون فيه السلطة لمثل هذا الدعم».
قلق دولي
وفي خضم هذا المشهد، بيّن استطلاع للرأي، أعده مدير مركز الدراسات والبحوث السياسة والمسيحية في رام الله د. خليل الشقاقي، أن 56 بالمئة من الفلسطينيين يعارضون بشدة العودة إلى المفاوضات من دون وقف الاستيطان.
وعلى النقيض من ذلك، يتعرض الرئيس عباس لضغوط دولية واسعة لقبول اقتراحات كيري، وصار مقرّ المقاطعة في مدينة رام الله مزاراً لمبعوثين غربيين، غالبيتهم وزراء خارجية، ينصحونه بقبول ما يقدمه كيري والعودة إلى المفاوضات حتى من دون وقف الاستيطان خوفاً من حدوث انفجار بين الفلسطينيين واسرائيل.
وأوضحت مصادر مقربة من الرئاسة الفلسطينية لـ«البيان»، طلبت عدم كشف هويتها، أن «عباس تلقى نصائح عربية أيضاً بالعودة إلى المفاوضات خشية فقدانه للدعم السياسي والمالي الغربي».
وأشارت المصادر إلى ان عباس سيشارك لجنة المتابعة العربية في أي قرار يتخذه قبل الإعلان عنه لمساعدته في تحمل تبعاته المالية والسياسية.
ضغط إسرائيلي
تشير جهات سياسية اسرائيلية إلى ان «بوادر حسن النية» التي طلب من رئيس الوزراء نتانياهو القيام بها بغية تحريك المفاوضات قد تدفع حزب اسرائيل بيتنا إلى الانسحاب من الائتلاف الحكومي. في وقت جاهرت الأغلبية الاسرائيلية برفضها لحل الدولتين، وهو ما يعزز موقف نتانياهو الرافض للقيام بخطوات جديدة تلبي المطالب الفلسطينية أو الشروط كما تسميها الحكومة الاسرائيلية للعودة إلى المفاوضات. البيان