«توائم» تبدو قائمة المعطيات بين «يناير» و«يونيو» كأنّ ثورة لم تقم، مبارك حاكم لم يزل، وإنّ كان في ملامح أخرى، الممارسات على حالها وأزمات الأمس لم تختلف، أمر عبأ أفئدة ثوار خلعوا رئيساً سامهم سوء العذاب ثلاثة عقود، عزيمة على إسقاط نظام جديد امتطى من سلطة الصندوق فرساً للإطباق على الدولة و«أخونة المؤسسات»، محتكراً «الدين» والسياسة معاً، حتى إذا ما قال معارض «لا» لاحقه طابور تهم، ليس أقلّها «الكفر» والفجور، فضلاً عن الخيانة والعمالة، لا لشيء سوى أنّ معارضين قالوا: بيننا و«التحرير» موعد.

عامان ويزيد على «ثورة يناير»، ما تزال الميادين مطلباً شعبياً، ومعاودة الكرّة آمال كثيرين على نظام إسلامي المرجعية يدّعي الشرعية المُطلقة هذه المرّة، على الرغم من انتهاكه برأي مراقبين خلال فترة حكمه كل أسس الشرعية المزعومة عبر عديد ممارسات.

وما بين «يناير» و«يونيو» تتطابق المقوّمات والدوافع، إذ لا يزال المصريون ينشدون الأساسيات «خبز» يقيم الأود، وحرّية تعلي الكرامة، وعدالة اجتماعية تختط منهجاً مغايراً لعصور «ما قبل الثورة»، في أعقاب إخفاق جماعة الإخوان بمصر في تحقيق نجاحات تذكر، على الرغم من تعهّدات مرسي بتحقيقها في عامه الأول، إلّا من بعض إنجازات على الورق، دون استشعار المصريون لها على ما يرى مراقبون، ما يبرّر «الثورة الثانية» مع اكتمال الدوافع للانتفاض ضد السلطة، استناداً إلى معطى «التوأم السيامي» بين مبارك ومرسي، ووحدة هدف ثوار الأمس واليوم تتبدى تجلياته على أرض الواقع بمطالب إسقاط نظام، وإشهار «كروت» في وجه الحاكمين طلباً للرحيل.

خلاف جذري

ووفق محللين للشأن المصري، فإنّ التباين الجذري بين كلٍ من «ثورة يناير» و«هبّة يونيو» يتمثّل في معطيات مشهد مختلف، ففيما واجه متظاهرو يناير حبيب العادلي وعناصر داخليته، وما صاحب ذلك من عنف مصدره أوامر عليا، فإنّ «متظاهري يونيو» سيواجهون مدنيين مثلهم يؤيّدون جماعة الإخوان المسلمين من مبايعين ومليشيات.

دلائل تسلّح

«نعم لديهم ميلشيات» يؤكّد رئيس حزب التجمع سيد عبد العال، في تصريحات لـ «البيان»، مُستطرداً: «نحن لا ندعي ذلك وجود ميلشيات جاء باعترافاتهم، مثل تصريحات عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية والناطق باسمها عاصم عبد الماجد، حليفهم في الجماعة الإسلامية، بشأن إمكانية تقدمهم بمليشيات لمساعدة الأمن، هناك وقائع توضح وجود ميلشيات بالفعل، مثل: السلاح غير المرخّص الذي تمّ ضبطه مع سائق خيرت الشاطر مثلاً، وعموماً يملكون ميلشيات أو لا يملكون فهذا غير مهم، الحديث عن الميلشيات الغرض منه تخويف المعارضين، وبشكل عام، لو كان لدى «الإخوان» قدرة على استخدام المليشيات بشكل موسّع، فهي لا تكفي لمواجهة شعب، لأنّ الوضع في ذلك سيحول المواجهات لـ «حروب شوارع».

وعلى الرغم من أنّ المصريين يحبسون الأنفاس تخوّفاً من «مصير غامض»، ربما يوقعهم في نهاية الأمر بـ «مستنقع الحرب الأهلية»، أو يجعل السيناريو مطروحاً على أقل تقدير، إلّا أنّ خبراء يراهنون على الجيش، لا سيّما بعد تأكيدات أطلقها غير ذات مرّة بعدم السماح باستخدام العنف، ما يؤطّر لمقولة: «السلمية في رقبة الجيش».

تباين ثورتين

ولعل من أبرز التباينات بين «يناير» و«يونيو»، ما يرصده الخبير الأمني والوكيل السابق لجهاز أمن الدولة اللواء فؤاد علام، في تصريحات لـ «البيان»، بقوله: «الاختلاف الأبرز هنا، أنّ قوات الشرطة ووزارة الداخلية أعلنت من جانبها عدم التدخّل، وألّا يتم استخدامهم لقمع المتظاهرين، وسيكتفون في ما بينهم وبين القوات المسلحة، بالتنسيق معاً من أجل تأمين المنشآت الرئيسة والمباني الخاصة والعامة، وبالتالي، فالمؤسسات الأمنية الرسمية ليست طرفاً كما كانت من ذي قبل، ولن تستطيع الإدارة المصرية استخدامها كما تم استخدامها من ذي قبل».

حتمية ثورة

من جهته، يشير أستاذ العلوم السياسية جمال زهران، في تصريحات لـ «البيان»، أن لا شيء تحقّق على أرض الواقع، ما يحتّم على الكل الانتصار للثورة مُجدداً، لافتاً إلى أنّ «دوافع الثورة على نظام مُبارك تتطابق مع دوافع الخروج على مرسي»، لا سيّما أنّ الإشكاليات التي دفعت للثورة على مبارك لا تزال ماثلة، يضاف لها أخرى جديدة عزّزها وجود جماعة الإخوان بالسلطة، مثل: مطامع الجماعة في أخونة مصر والاستحواذ على المؤسسات وتمكين العناصر، ما يثقل كاهل المشهد عديد قضايا كفيلة بتحريك الملايين اليوم للثورة ضد حكم الإخوان، الذي أخفق في كل ما أسند إليه من مهام.

وما يجمع بين «يناير» و«يونيو» أيضاً، الهتاف الداوي الذي ردّده المتظاهرون قبل عامين ويزيد «الشعب يريد إسقاط النظام»، هو نفسه الذي شدا به الخارجون على مرسي خلال التظاهرات التمهيدية لـ 30 يونيو، ويعتزمون التغنّي به اليوم، هتافات تعامل معها مرسي بنوع من السخرية حيناً، والانتقاد حيناً آخر، لما وصف المطالب بإسقاطه على كونها «عبثية»، و«غير دستورية»، مُثنياً على تظاهرات أهله وعشيرته، ومتجاهلًا تظاهرات القوى المعارضة من الأوساط الشعبية المختلفة، كما فعل مُبارك قبل أن يُقدّم على تنازلات سياسية قبيل سقوطه.

 

فشل احتواء

شدّد القيادي بجبهة الإنقاذ الوطني رئيس الحزب المصري الديمقراطي محمد أبو الغار، في تصريحات لـ «البيان»، أنّ «العهد بالمصريين أنّهم إذا ثاروا فلا أحد يستطيع إيقاف ثورتهم أو إخمادها». ولفت أبو الغار إلى أنّ مُبارك وداخليته وأجهزته الأمنية العتيدة فشلوا في وقف شباب يناير، ما يجعل مرسي وجماعة الإخوان المسلمين والمليشيات، غير قادرين على وقف زحف المتظاهرين أو إخماد «الثورة الثانية».