في وقت يحتدم الجدل في واشنطن بين دعاة الحذر ودعاة التسليح للمعارضة السورية، جاء القصف الجوي الإسرائيلي لشحنات أو لمواقع أسلحة؛ ليعطي إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما فسحة تخرج معها من زاوية «الخط الأحمر» التي حشرت نفسها فيها.
علامات الارتياح كانت واضحة في الردود الرسمية التي رحبت وساندت العملية الإسرائيلية، باعتبارها مشروعة و«مبرّرة من باب الاحتراس»، كما قال اوباما. لكن هي في الواقع جاءته في وقتها، بصرف النظر عن الجوانب الأخرى من حسابات إسرائيل، التي اعتادت أن تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.
بل إن هناك من بين المراقبين العارفين في واشنطن من يرى أن الضربات الجوية الإسرائيلية «أخذت الضوء الأخضر وكانت منسّقة» مع الإدارة الأميركية. ويرتبط التنسيق بموعد زيارة وزير الخارجية جون كيري إلى موسكو اليوم الثلاثاء.
فكيري قاصد الكرملين في لحظة دقيقة ومحرجة، سعياً وراء مخرج سياسي للأزمة السورية التي تمسك روسيا بمفتاحها. لكن طرق باب موسكو يأتي في ظلّ وضع ليس فيه ما يحمل الرئيس فلاديمير بوتين على التزحزح. فأوباما تورّط بـ«الخط الأحمر» ولا ينوي ترجمة تهويله.
الضغوط تزايدت عليه، بعد روايات «الكيماوي». في الكونغرس كما في الإعلام. حتى الجهات التي تنهى عن أي تورط، ولو جرى استخدام «الكيماوي»، ترى أن أوباما وضع نفسه في مأزق حين التزم بـ«تغيير قواعد اللعبة».
التسليح والتفاوض
ثم من جهة ثانية، يسير الوضع الميداني في الآونة الأخيرة ضدّ قوى المعارضة السورية.
شحّ التسليح وتردّد الغرب بشأنه بزعم الخوف من وصول المعدات المتقدمة إلى أيدي المتطرفين، إضافة إلى تعارض التيارات في صفوف القوى المقاتلة ودخول حزب الله على الخط؛ تضافر كله ليفضي إلى حالة من التعثّر العسكري ضدّ النظام.
الأسلحة التي تنظر إدارة أوباما في تزويد الجيش الحرّ بها، بقيادة اللواء سليم ادريس؛ لم تغادر مخازنها بعد. وحتى عند وصولها، فهي محدّدة كمّاً ونوعاً، لتعديل الخلل في ميزان القوى على الأرض وليس لإحداث انقلاب فيه.
وظيفتها بالنهاية ترجيح كفة الحلّ السياسي، «الذي لا يوجد أي حافز للأسد الآن أن يفاوض بشأنه»، بحسب ما تقول آن- ماري سلوتر أستاذة العلوم السياسية في جامعة «برنستون» ورئيسة قسم التخطيط السياسي قبل عامين في وزارة الخارجية.
فالتسليح «لازم لكنه تأخر». بل أن السعي للتفاوض على صيغة تسوية سياسية «تأخر جدّاً»، هو الآخر،
على حدّ تعبير رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس؛ الذي يقول بأن ما يجري في سوريا بات «عملية حياة أو موت في حرب مندفعة حتى نهاياتها المحتومة».
توقيت وورقة
في ظلّ هذه المعطيات جاء ترتيب زيارة كيري إلى موسكو. خاصة وأن المبعوث المشترك الأخضر الإبراهيمي في طريقه إلى مغادرة مهمته ولا ينقص غير إعلانها المؤجل لأيام. وعشية الزيارة، حصل القصف الإسرائيلي.
وهذه المرة تكرر في أيام قليلة. لا شك أنه حمل عدة رسائل وفي أكثر من اتجاه، بحسب تفسيرات المحللين في واشنطن. والتوقيت يقول إنه يحمل واحدة إلى موسكو، تسبق وصول كيري؛ مفادها أن ميزان القوة على الأرض لن يبقى بدون تعديل، حتى ولو من غير لعب ورقة التسليح بكاملها.
ورقة تأمل واشنطن أن تعزز فرص الحل السلمي. لكن هذا التطور مفتوح على انفجار إقليمي كبير، أكثر مما هو مرشح لتوليد دينامية سياسية سلمية، في هذه المرحلة من الأزمة. معظم الحديث في واشنطن يشير في هذا الاتجاه.
الغارة تسرّع التدخل الأميركي
رجح مسؤولون أميركيون أن تسرع الغارات الإسرائيلية في سوريا والتهديد السوري بالرد، اتخاذ القرار الأميركي بزيادة تدخل واشنطن في الأزمة السورية.
ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى قولهم ان الغارات الإسرائيلية والتهديد بضربة انتقامية سورية «سيسرعان على الأرجح اتخاذ الإدارة الأميركية قرارها الذي كان يتجه أساساً نحو زيادة التدخل في الأزمة السورية».
وأشار المسؤولون إلى ان نشر قوات أميركية في سوريا «لا يزال أمراً غير مرجح»، لكنهم أشاروا إلى ان «قراراً سيتخذ خلال أسابيع بشأن تزويد المعارضة السورية بالأسلحة بغية استخدام طائرات وصواريخ أميركية لكبح قوة الرئيس السوري بشار الأسد الجوية، من خلال تدمير الطائرات والمدرجات ومواقع الصواريخ».
وقال مسؤول غربي رفيع، طلب عدم الكشف عن هويته، انه «نظراً لزيادة الثقة في الجيش السوري الحر، يفضل فريق الأمن القومي والفريق الدبلوماسي المحيط بالرئيس باراك أوباما زيادة التدخل الأميركي في سوريا، ومواقفهم تزداد زخماً بالرغم من تحذيرات مستشاري الرئيس الأميركي السياسيين».
وأشارت «واشنطن بوست» إلى أنه «حتى النواب والسيناتورات الذين كان لديهم تحفظات بشأن زيادة التدخل الأميركي في سوريا، باتوا يرون ان لا مفر من الأمر».
وأوضحت ان من بينهم السيناتور جون ماكين الذي رأى خلال مقابلة تلفزيونية انه «لا بد من القيام بتحرك يغير اللعبة»، موضحاً انه «لا يقصد إرسال جنود أميركيين إلى الأرض، وإنما إقامة منطقة آمنة تحظى بحماية وتزويد الأشخاص المناسبين في سوريا بالأسلحة».
واشنطن لم تعلم
قال مسؤول استخبارات أميركي إنه لم يتم إعطاء الولايات المتحدة أي تحذير قبل الهجمات الجوية الاسرائيلية. وقال المسؤول إنه تم إبلاغ الولايات المتحدة بالغارات بعد حدوثها، وفي وقت كانت القنابل تنفجر. وأردف: سيكون أمرا عاديا اتخاذ خطوات هجومية عندما توجد فرصة لسقوط بعض أنظمة الاسلحة المتطورة في يد حزب الله. واشنطن- رويترز