بات من التقاليد السياسية في إيطاليا أن لا تعمّر الحكومة. فخلال الألفية الجديدة التي انقضى منها 12 عاماً عايش الإيطاليون ثماني حكومات وستة رؤساء وزراء.. لكن هذا الواقع في طريقه إلى التغيير مع حكومة إنريكو ليتّا الذي عَبَر التصويت على الثقة في مجلسي النواب والشيوخ بأغلبية كبيرة.
فضلاً عن ضغوط الحالة الاقتصادية الصعبة للبلاد التي تحتّم إعطاء الحكومة فسحة من الوقت، فضلاً عن استقرار سياسي، حتى تنجز خريطة الطريق التي قدّمتها، والتي تقوم على عمودين: تنشيط الاقتصاد عبر سلسلة من محفّزات النمو والتخلّص من التقشف، و«تطهير» الحياة السياسية.
وتحتم الولادة المتعسّرة لحكومة الوحدة الوطنية، المؤتلفة من أحزاب اليسار واليمين، إلى جانب ضغط الشارع، على السياسيين الذين عطّل تناحرهم لأكثر من شهرين تشكيل الحكومة وكاد يدخل إيطاليا في فراغ رئاسي (مع فشل خمس جولات لانتخاب رئيس) تنحية الاختلافات والصراعات جانباً ودعم هذا الخبير الاقتصادي (ليتّا) الذي يعوّل عليه الإيطاليون، على الأقل سوادهم الأعظم، في إخراجهم وإيطاليا من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضغط عليهم منذ ما يزيد على عامين.
ويتميز رئيس وزراء إيطاليا الجديد، وهو عضو قيادي في الفصيل المعتدل في الحزب الديمقراطي (يسار الوسط)، بخبرة واسعة في الشؤون الاقتصادية والأوروبية، ومن أولى المهام أمامه وقف التدهور الاقتصادي ثم التقشف الذي فرضته حكومة البروفيسور ماريو مونتي في العام الماضي، إلى جانب ملاحقة المتهربين من دفع الضرائب لمنع إيطاليا من اللحاق باليونان.. رغم أنّها تعيش منذ نحو 20 عاماً في حالة تراجع اقتصادي.
وحسب مقربين منه، فإن ليتا يتميز بالفكر المنظم والاستقامة ونظافة اليد والتواضع والكفاءة المهنية، فضلاً عن التزامه بالوحدة الأوروبية، التي ألّف حولها 10 كـــتب حتى الآن، أشهرها: «نعم لليورو».
مهمة ثقيلة
كل المعطيات تشير إلى أنّ المهمة لن تكون سهلة، فهناك الاحتقان الداخلي، حيث مل الشعب من تخاصم الساسة، بينما توقفت عجلة الاقتصاد. وأول التحديات التي ستواجهها هذه الحكومة هي تنشيط الاقتصاد وتحفيزه بعد سنتين من الجمود، واتباع سياسة النمو مع التخفيف من التقشف وتخفيض الضرائب والنفقات وإلغاء أو خفض ضريبة التملك السنوية على المنزل الأول.
وبشكل عام، تدعو الأجواء التي رافقت تشكيل الحكومة، وبشكل خاص اختيار سياسي شاب لها، من خارج نادي السياسيين المخضرمين، إلى التفاؤل.. لكن جرعة هذا الأمل تــبقى ناقصة في ضوء حالة التـــشرذم السياسي الواضح، ووقوف البلاد على حافة الهاوية رغم نجاح رئيس الوزراء السابق ماريو مونتي في الابتعاد عنها وتجنيب إيطــاليا الانزلاق فيها.
تعهدات وتحديات
وتعهّد ليتا بوضع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في صدارة جدول أعمال حكومته.. وهو تعهّد بالاستقالة إن فشل في تحقيق الإصلاحات المنشودة في غضون سبعة أشهر.. وهو هنا يقر بأنّ «سياسة الانتعاش لم يعد من الممكن أن تنتظر».
وفي نظرة متعمّقة للواقع السياسي الإيطالي، الذي بات كالجبنة السويسرية، تبدو المعضلة الاقتصادية قابلة للعلاج على عكس الوضع السياسي المهترئ الذي نخره الفساد.. ومن هنا يبدو أن معركة إنريكو ليتّا الكأداء، والتي قد تطيح به إن لم يكن فائق الحنكة، هي في تنقية الحياة السياسية من الفساد الذي وصلت أدرانه إلى الاقتصاد فهدّدته وأوقفت حاله.

