تجد السلطة الجزائرية نفسها واقفة على رمال متحركة بسبب المظاهرات والاحتجاجات التي يعرفها جنوب الجزائر وشمالها، وهي التي نجحت في تجنب ربيع عربي على أراضيها. حيث تخشى من تحول المطالب الاجتماعية والاقتصادية لسكان الجنوب إلى مطالب سياسية تغذيها جهات خارجية في ظل اضطراب الوضع الأمني على الحدود الجنوبية للبلاد مع مالي والساحل ككل.
قبل أسبوع قام حوالي ألف شاب عاطل عن العمل في مدينة ورقلة الواقعة جنوب الجزائر العاصمة والمعروفة بـ «عاصمة النفط» بتظاهرات طالبوا فيها بفرص عمل في شركة «سوناطراك» النفطية.
حيث حملوا شعارات وطنية ورفعوا الأعلام الجزائرية باستبعاد أي معنى من معاني الانفصال أو الجهوية. ما يؤكد أن الجزائريين، بصرف النظر عن المناطق التي يعيشون فيها، متمسكون بوحدة وطنهم، لكن السياسات الخاطئة توفر كل أسباب هدم هذه الوحدة وتقدمها هدية للمتربصين بثروات هذا البلد.
وكسرت التظاهرات الخوف لدى سكان الجنوب خصوصاً في هذه المناطق التي هي عبارة عن مناطق نفطية معزولة، فهؤلاء المتظاهرون صبروا كثيرا منذ الاستقلال إلى اليوم، على الرغم من أن مناطقهم هي أغنى مناطق الجزائر، حيث البترول والغاز والذي منه يتأتى 99 في المئة من مداخيل البلاد.
ولكنهم يعيشون في حالة من البؤس والفقر المتعاظم، ولأول مرة يطالب شباب الجنوب الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والسلطات العسكرية بالتدخل لحل مشاكلهم رافضين أي تدخل من قبل أعيان المنطقة أو النواب أو حتى الوزراء.
رد حكومي عاجل
ودفع هذا الوضع الحكومة الجزائرية إلى عقد اجتماع وزاري طارئ لاتخاذ سلسلة من الإجراءات لمصلحة منطقة الجنوب بالصحراء والتي تتألف من 13 ولاية من أصل 48 ولاية جزائرية، حيث تم تخصيص موازنة ضخمة لإنعاش المنطقة اقتصاديا.
ويؤكد محللون أنه لو تم التفكير في هذا الخيار لما طرحت أزمة البطالة التي تنذر بأزمة سياسية خطيرة، ولو كانت الحكومة قد تعاملت مع مطالب أبناء ولايات الجنوب بالجدية المطلوبة عندما طرحت قبل عقد من الزمن لما اضطرت الحكومة اليوم إلى اتخاذ قرارات مستعجلة قد تفتح لها جبهات جديدة مع باقي المناطق الأخرى في البلاد.
الضغوط تولد النتائج
ويؤكد مراقبون أن شركة سوناطراك النفطية خاضعة للقرار السياسي، وهذا القرار تأخر لعقد كامل في مواكبة مطالب أهل الجنوب، ما يعتقد أنه أرسل اليوم هو في حقيقته رسالة خاطئة تفيد بأن الضغط هو الذي يأتي بالنتائج، وأن جلب انتباه السلطة ودفعها إلى إيجاد الحلول لا يكون إلا بالاحتجاج، وهكذا تتحول الحلول إلى تشجيع لفئات أخرى من المجتمع للاحتجاج من أجل تحقيق مطالبها التي ظلت مهملة لسنوات طويلة .
ويعتبر الكثير من المتتبعين أن قضية البطالة في الجنوب قنبلة موقوتة، وإذا لم تسارع السلطات الجزائرية إلى فك ألغازها فإنها ستنفجر في أية لحظة، ما ستكون له تداعيات وخيمة على الاقتصاد الجزائري، على اعتبار أن اقتصاد البلد يعتمد على النفط، وكل القواعد النفطية موجودة بمحافظات الجنوب التي يشتكي أهلها من التهميش واللامبالاة.
وعلى الحكومة أن تحارب أسباب التقصير الذي يعاني منه الجنوب الجزائري من جراء السياسات العرجاء للتوظيف، والصمت الذي تمارسه تجاه شتى أشكال الحرمان الاجتماعي والاقتصادي في هذه الأجزاء من البلاد.
