فيما يزداد المشهد المصري تعقيداً ليس سياسياً فقط، بل أمنياً، يرى مراقبون أن الرئيس محمد مرسي يدفع الجيش لـ«إطفاء الحرائق»، ومواجهة المشكلات التي عجزت الحلول السياسية عنها مثال ما جرى في بورسعيد.

وتزداد حدة الملف الأمني تعقيداً مع لجوء قوات الأمن المركزي لإعطاء مهلة لمؤسسة الرئاسة لتنفيذ مطالبهم في ظل ما يواجهونه من ضغوط يومية تتعلق بسلامتهم. يأتي ذلك في وقت اضطر فيه عدد من ضباط الشرطة للدخول في حالة إضراب اعتراضاً على ما يشهدونه يومياً، وهي أجواء ناجمة أو ناتجة في الأساس من فساد العلاقة بين المصريين ووزارة الداخلية، في ظل تزايد حدة أعمال العنف والتصدي للمتظاهرين بقوة من قبل وزير الداخلية الحالي اللواء محمد إبراهيم.

وفي خضم تلك الأجواء، والتي تتفاقم بوضعٍ خاص في محافظة بورسعيد بزغت مطالب مُتجددة بضرورة نزول القوات المُسلحة وإحلالها محل الشرطة ما يعين انسحاب الشرطة نهائياً من المشهد على غرار ما حدث يوم 28 يناير 2011، وهو الأمر الذي ألمح إليه وزير الداخلية في مؤتمر صحافي عقده مؤخرا لمناقشة وتحليل الوضع الأمني الراهن بشكل عام، إذ قال نصاً: إن الهجوم الشديد على الشرطة «يمكن أن يؤدي إلى انسحابها»، وبالتالي فإنه وبحسب مراقبين «ربما فتح الباب أمام علامة استفهام كبيرة تتعلق بدور الشرطة والجيش أيضاً ومستقبل المنظومة الأمنية بشكل عام».

شر لا بد منه

«شرُ لا بد منه الآن».. بهذه الكلمات يصف عدد من المتابعين والمراقبين للأجواء في مصر وخاصة في محافظة بورسعيد مطالب انسحاب الشرطة من المحافظة ومن محافظات أخرى تشهد اضطرابات أمنية بالغة، ليحل بدلاً منه الجيش، خاصة أن محافظة بورسعيد من المحافظات التي ترتكز فيها القوات المسلحة وأن المصريين هناك قد اعتادوا على التعامل مع أفراد الجيش لطبيعة المنطقة.

ويرى البعض أنه «شر» لأنه ليس حلاً للمسألة بل هروب من حلها، كما أنه يحمل إرهاصات أولية لحكم عسكري من خلال شهادة ضمنية تعني فشل المدنيين في الحكم!،.. و«لا بد منه» لأن الأمور تتفاقم وتزداد سوءاً الآن بما ينذر بكوارث محققة والمزيد من الدماء.

من جانبه، يقول الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء طلعت مسلم: إن القوات المسلحة أعلنت موقفها من قبل إذ إنها تراقب المشهد السياسي عن كثب، باعتبارها جزءاً أصيلاً، وباعتبار قواتها هم من أبناء الشعب المصري، كما أنها أكدت مراراً وتكراراً أن ولاءها الأول والأخير للشعب وليست طرفاً في النزاعات السياسية، وبالتالي فإن نزول الجيش لحماية بورسعيد وتأمين الاوضاع في أي محافظة أخرى يعني عودته لمزاولة السياسة عملياً الآن عقب أن خرج من السلطة بعد انقضاء المرحلة الانتقالية، لكنه لن يحاول الانقلاب على الرئيس محمد مرسي إلا إذا كانت تلك «هي الرغبة الشعبية بشكل عام».

كارت أخير

وعلى ما يبدو أن مرسي ربما سيستعين بالقوات المسلحة لتأمين مناطق الاضطرابات لكنه يرجئ الفكرة، ويحاول جاهداً لجعلها «الكارت الأخير» في سبيل محاولاته لاحتواء الأزمات دون اللجوء للجيش بشكل مباشر لمخاطر ذلك التوجه على المنظومة الأمنية بشكل عام، وفي سبيل ذلك ربما يدعم فكرة وجود «تنظيمات مدنية»، ولربما «ميلشيات جماعة الإخوان المسلمين» لتأمين مصر وعمل لجان شعبية موسعة حال ما انسحبت الشرطة كما ألمح وزير الداخلية دون الالتزام بالدبلوماسية المعهودة.

 

مهمة

وصف قائد الجيش الثاني الميداني اللواء أحمد وصفي العلاقة بين القوات المسلحة والشعب المصري بأنها «متينة»، مؤكداً أن أهالي بورسعيد قاموا في كثير من الأحيان بمساندة الجيش في مزاولة عمله، إلا أنه أكد أن مهمة الجيش «قتالية» وليست «أمنية» وبالتالي فمن الأصلح لمصر وجود الشرطة وعودتها بقوة.