يئن رجل الشارع المصري من وطأة اقتصادية طاحنة تزداد قسوتها يوما تلو الآخر كلما ازداد فرقاء السياسة انقساما وتشرذما، الأمر الذي يدفع الاقتصاد نحو منحنى خطير ينذر بعواقب لا يمكن تداركها.
ويجلس أحد هؤلاء البسطاء علي عبدالصبور البالغ من العمر 46 عاما، وقد حاصرته مُشكلاته ممسكًا بوريقات صغيرة دّون فيها مصروفات أسرته الشهرية، بينما لا يجد دخلا يكفي لتغطية تلك المصروفات، ما دفعه إلى «الحنق على الثورة» التي وعدته فأخلفت. ويسأل عبدالصبور عما جناه الملايين الهاتفون من أجل العدالة الاجتماعية وهو لا يجد ما يكفي لتغطية احتياجات أسرته الآن في ظل واقع اقتصادي رث، لا يجد إجابة واضحةً.
حال عبدالصبور حال كثير من المصريين الذين آلمتهم ظروفهم المعيشية الصعبة في ظل واقع اقتصادي بالغ يتهاوى وفي ظل انشغال القيادات حول المناصب والتناحر السياسي، تاركين واقعًا اقتصاديًا بالغ الصعوبة يتسرب من أيديهم ليُمطر رجل الشارع بوابل من المشكلات اليومية والتي لم تنفع معها مسكنات أو مهدئات الحكومة ولا حتى تصريحات النظام الحاكم ورسائل الطمأنة التي يبعث بها لشعبه من القصر العاجي البعيد يتداولها العامة والبسطاء بقليل من السخرية وكثير من الألم والتوجع.
بيانات تناقض التصريحات
«من يتحدث عن إفلاس مصر هم المفلسون».. كذلك قال الرئيس محمد مرسي مُحاولًا أن يغطي على أزمات اقتصادية هائلة تُعبّر عنها باستمرار البيانات التي يصدرها البنك المركزي والتي كان آخرها فقدان الاحتياطي النقدي لـ1.4 مليار دولار من احتياطي العملة الأجنبية، ليسجل حاليًا 13.6 مليار دولار، وهو ما يغطي حاليًا ثلاثة شهور فقط من الواردات السلعية، فضلًا عن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والتي كان آخرها زيادة نسبة التضخم في يناير الماضي بنسبة 1.8 في المئة عن شهر ديسمبر.
يأتي ذلك، فيما تستمر المناوشات السياسية بين القوى المختلفة والتي اعتبرها البعض مُحاولة من قبل جماعة الإخوان المسلمين للتغطية على تحركاتهم على المشهد الاقتصادي.
أزمة حكم
من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد رمضان معروف أن الأزمة الراهنة هي «أزمة حكم»، فكل القوى تتصارع على السلطة والجميع يشكك في نوايا البعض الآخر تاركين خلفهم واقعًا اقتصاديًا صعبا ربما يدفع إلى خروج الملايين ضد النظام في المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن فكرة وجود «ثورة جياع» ليست بعيدة في مثل ذلك الواقع المؤلم والصعب للغاية، مشيرًا في السياق ذاته إلى أن البيانات الرسمية كلها تؤكد أن مصر عقب ثلاثة شهور ستواجه إشكالية كبرى وهي الفترة التي يكفي فيها الاحتياطي النقدي الحالي.
ويرى معروف أن القوى المعارضة التي تحرك الشارع ضد النظام «لا تقترح حلولا للأزمات الاقتصادية»، لكنها تستغل تلك الأزمات فقط من أجل إسقاط النظام ما يعني أن المشكلة في الأخير مشكلة صراع على السلطة أو أزمة سياسية في المقام الأول.
وكما أن الاتهامات تُحاصر النظام في المشكلة الاقتصادية فإنها أيضًا تُحاصر المعارضة التي حاولت استغلال الأزمة للتشهير بالنظام والضغط عليه من أجل تحقيق مصالح أو مكاسب سياسية لأجلها فقط دون النظر لحلول عملية أو واقعية للمشكلات الراهنة.
من جانبه يقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن الأزمة الاقتصادية هي نتاج «خطة إخوانية للسيطرة على الساحة»، خاصة أن الجماعة بدأت تعد العدة بقوة للاستحواذ عقب تولي مرسي زمام الأمور ومن ثم فهي تحاول بشتى الطرق ضرب السوق ثم ظهور رجال أعمالها ينتمون لها يحلون محل رجال أعمال الحزب الوطني (المنحل) لينعشوا السوق بمدخراتهم وسلعهم ومن ثم يتحكمون في الأسواق، خاصة السلع الرئيسية مثل الطعام والشراب، ومن هنا تتحقق النبوءة الاقتصادية بأن «من يملك اقتصادًا أقوى يحكم» ومن ثم يتحكم الإخوان في الشارع.
تحول
يبدي مراقبون استنكارا لتحول موقف الإخوان الذي تحول من صفوف المعارضة لقرض صندوق النقد الدولي إبان عهد حكومة كمال الجنزوري إلى صفوف المؤيدين في عهد مُرسي، خاصة أن ذلك القرض سيُسهل مساعيهم في السلطة.