في خضم الأزمة السياسية والمالية والتحديات الداخلية والخارجية التي تحيط بالحكومة الفلسطينية، وتثقل كاهلها وتحدّ من قدرتها على تقديم الخدمات بالشكل الأمثل للمواطن الفلسطيني، التقت «البيان» الناطقة باسم الحكومة الفلسطينية نور عودة واستوضحت منها توجهات الحكومة الحالية برئاسة د. سلام فياض في ظل العام الجديد 2013، فضلا عن رأيها وموقفها من عدد من الملفات الفلسطينية، لاسيما المصالحة.
وأشارت عودة خلال الحوار إلى الأثر السلبي الذي تركه الانقسام الفلسطيني على أداء الحكومة وكافة المؤسسات الرسمية الفلسطينية، وتحدثت عن الآفاق الجديدة التي يمكن للمصالحة الفلسطينية أن تفتحها من أجل خدمة المواطن.
وأوضحت الناطقة نور عودة أن الجو السلبي المتمثل بالتكهنات والتوقعات للقوانين والاجراءات الحكومية الجديدة «مجحف بحق المواطن»، مشيرة إلى ان جميع الوزارات الفلسطينية تدرس اجراءات إضافية لتطبيق سياسة التقشف وتقليص العجز المالي في خزينة السلطة الفلسطينية، نافية ما تردد حول الاستغناء عن 50 بالمئة من القوى العاملة لتحقيق ذلك.
وأكدت عودة أن الحكومة الفلسطينية ستعرض قانون الموازنة المقترح على الرئيس محمود عباس في نهاية مارس المقبل لإقراره.
وفيما يلي تفاصيل الحوار بين «البيان» والناطقة الحكومية الفلسطينية
هناك الكثير من التكهنات حول إجراءات تقشفية في الموازنة العامة للعام الجاري، يرافقها قلق متصاعد من قبل الموظفين الحكوميين، فهل هذا القلق مبرر وما هي حقيقة تلك الاجراءات؟
جزء من ما يتم تداوله هو أفكار مطروحة للدراسة ضمن خطة تقليص العجز التي تعكف الحكومة على تنفيذها، ونظرا للصعوبات التي واجهت القيادة والحكومة الفلسطينية في العام السابق، وبسبب الازمة المالية التي نعيشها، يجب أن يكون هناك تصور واضح للتقشف لسد العجز في الميزانية، والبالغ 1،357 مليار دولار. وهذا ما نحاول التقليل منه في العام الجاري حتى نخفف من احتمالية تفاقم الأزمة أو استمرارها لفترة طويلة، وقانون الموازنة سيطرح على الرئيس عباس في نهاية الشهر المقبل.
أما بخصوص تلك التكهنات، فالحقيقة هي أن قانون الموازنة يتم العمل عليه الآن، وكل الوزارات في مرحلة التفكير والتخطيط ودراسة ما يمكن اتخاذه من اجراءات إضافية في ما يخص التقشف وتوفير المال. وهذا الجهد ينتهي في نهاية الشهر المقبل، أي انه هناك شهران من الدراسة والنقاش قبل اقرار القانون.
سيناريوهات تقليص العجز
ماذا بشأن ما يتم تداوله من وقف العلاوات والزيادات خلال العام الجاري؟
هناك كثير من السيناريوهات التي يتم بحثها في موضوع تقليص العجز، ومن ضمنها اجراءات لها علاقة ببعض العلاوات والزيادات، ولكن هذا لا يعني وقفها. وهناك بعض الاشياء التي يتم تداولها وانا لا أرى منطقية في طرحها، مثل ما يقال عن احالة 50 % من القطاع العام إلى التقاعد، وهذا رقم غير منطقي ولا يمكن الاستغناء عن 50 % من القوى العاملة.
التوجه الحكومي الآن يميل نحو زيادة الايرادات لزيادة الاعتماد على الذات، بما لا يؤذي ولا يتسبب بالضرر للاقتصاد والمواطن، وحتى لا نبقى رهينة للدعم الخارجي وعرضة للابتزاز السياسي. وستعمل الحكومة جاهدة لتحسين الاجراءات التي من شأنها تقليص العجز وتخفيض الاعتماد على الدعم الخارجي.
ونجحت الحكومة منذ العام 2007 وحتى 2001 في تقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية بنسبة 60% وهذه نسبة فاقت كل التوقعات.
شائعات وتكهنات
ما هو سبب التضارب في المعلومات وكثرة الشائعات والتكهنات؟
من المهم جدا معرفة مصادر المعلومات ودراستها وربطها مع تصريحات أخرى، لان هناك تنوع رهيب في فلسطين بخصوص مصادر المعلومات، وأضحى من الصعب التفريق بين العمل الصحافي الموثوق والمهني وبين العمل الهاوي.
لماذا تواجه الحكومة الفلسطينية الانتقاد الدائم؟ وهل هي مقصرة في عملها؟
للأسف هناك عوامل كثيرة تغذي الجو العام السلبي الموجود، ولكن الحكومة الفلسطينية تنظر بسعادة لقضية ايجابية مهمة في ظل هذه الانتقادات، وهي أن نصل في فلسطين إلى مرحلة يكون فيها المواطن واثق من حقه في التعبير عن نفسه، والمطالبة بالخدمات الافضل، فهذا ايجابي رغم انه قاسي في بعض الاحيان نتيجة الجو الراهن والانتقادات تجاه الحكومة.
ومع ذلك، فإن لهذا الجو آثار سلبية، لان الانتقاد يكون شاملا لكل شيء وبطريقة تغطي على كل الانجازات الايجابية، وهذا خطير لانه يصل بالمجتمع إلى درجة من الاحباط بحيث لا نتمكن جميعنا من أن نرى ما أنجزناه كمجتمع.
وهل تؤثر هذه الانتقادات على أداء الحكومة الفلسطينية؟
الحكومة الفلسطينية صدرها واسع في هذه المجال، ورئيس الوزراء دائما يؤكد على حق المواطن في التعبير عن رأيه والمطالبة بحقوقه، ولكن من المهم أن نفرق بين الحق في التعبير والانتقاد المكفول بالقانون، وبين ضرورة ان نكون شركاء في هذا الوطن وهذا المجتمع، بحيث يسعى الجميع للمحافظة على الانجازات، لأنه من غير المعقول أن يكون العالم معترف بما أنجزناه في فلسطين وننكره نحن على أنفسنا، وهذه مفارقة مؤسفة.
عوامل بقاء
هل تلعب الأزمة المالية والحصار الاقتصادي دوراً في تعزيز هذا الجو السلبي؟
نحن كمجتمع فلسطيني نواجه أزمة مالية خانقة يصعب لأي حكومة في اي مكان وأي دولة في العالم أن تواجه مثل هذا النوع من الحصار والعقاب الجماعي، الذي تقوم به اسرائيل من خلال القرصنة على المال الفلسطيني. ولا يوجد دولة في العالم تستطيع في ظل ظروف مماثلة أن يكون لديها القدرة على مواصلة الحياة، ولكن الجاهزية المؤسساتية الفلسطينية، وإصرارها على الاستمرار في تقديم الخدمات للمواطنين، وإصرار المجتمع وصموده وتماسكه ورفضه للانهيار، كل هذه عوامل تساعدنا على الثبات والبقاء.
ومجتمعنا استطاع أن يحافظ على نفسه ويتماسك ويتحدى هذه الظروف رغم قسوتها، وأن يستمر في العطاء من خلال المؤسسات المختلفة وما تقدمه من خدمات.
موجة إضرابات
هناك حملة إضرابات واسعة في مختلف القطاعات من شأنها أن تشل الحياة في فلسطين، كيف تنظرون لهذه الخطوات النقابية؟
الحكومة الفلسطينية أوفت بالتزاماتها وأنهت ما عليها من مستحقات للعام الماضي 2012، ونحن الآن في العام 2013 الذي استحق فيه راتب شهر يناير، الا انه حتى الآن لم يتوفر. ولكن لا يعقل في ظل هذا الظرف السياسي، والمحاولة الواضحة للابتزاز السياسي، والهدف الاسرائيلي المعلن والقاضي بشل الحياة في فلسطين أن نكون جزءا من الضغط على هذه الحكومة، ولا يعقل أن نساهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة في هذا الضغط .
صحيح أن العمل النقابي مكفول بالقانون، وصحيح أن المطالبات النقابية في الإطار المنطقي والمقبول قانونا هو حق أيضا، ونحن نعلم أنه يجب أن يأخذ المطلب النقابي بالحسبان، ولكن هناك أولويات وطنية، ويجب أن لا نحمل أبناء شعبنا فاتورة هذه المطالب، لأن الازمة المالية ليست ناتجة عن استنكاف الحكومة عن دفع الرواتب، وإنما عن قرصنة اسرائيلية لأموالنا الفلسطينية.
لذلك، علينا أن نعي تماما كم هو دقيق هذا الظرف وكم هي خطيرة هذه المرحلة، والحكومة رحبت بتراجع نقابة المعلمين عن قرارها بالاضراب مع بداية الفصل الدراسي الثاني من خلال الحوار المسؤول الذي ندعو له.
