ساعات لا أكثر ويلقي الرئيس الأميركي باراك أوباما في قاعة مجلس النواب في الكونغرس الخطاب الرئاسي السنوي عن حالة البلاد أمام أركان الدولة، ما عدا مسؤولاً واحداً يتم اختياره ليبقى خارج المبنى لئلا يحصل تطور كارثي يحتاج قراراً فورياً.

هذا الواجب الدستوري السنوي، أقرب إلى بيان يشمل كشف حساب عن السنة الماضية، وفي ذات الوقت يتضمن الخطوط العريضة لسياسات الرئيس وإدارته في السنة الجارية. أخذ مع الزمن، أكثر من شكل.

في البداية اختار جورج واشنطن تلاوته شفهياً. ثم اعتمد الرئيس الثالث توماس جيفرسون، إبلاغه خطياً إلى أعضاء الكونغرس. وبقي هذا التقليد سارياً أكثر من مئة سنة، إلى أن عاد إلى التلاوة الشفهية مع الرئيس وودرو ولسون العام 1913 . ومنذ ذلك الحين استقر على هذا المنوال، باستثناء مرة في عهد نيكسون وآخر سنة للرئيس كارتر، حيث أرسلت الكلمة إلى الكونغرس.

وتاريخياً تحوّل النصّ الدستوري إلى تقليد تجري ممارسته في مطلع كل عام ولو أن الدستور لم يحدّد الموعد. ثم تحوّل التقليد إلى نوع من الاحتفالية الرئاسية، أكثر منه أي شيء آخر، لكن مع ذلك بقي خطاب الرئيس في عامه الأول، خاصة بعد التجديد له، في منزلة الأهم من السنوات التالية. من خلاله يطرح توجهاته وبرامجه وتصوراته لمخارج وحلول المشكلات والتحديات، من غير مواربة.

الحسابات الانتخابية لم تعد واردة. ما عاد بإمكانه الترشيح. خاصة إذا كان يتمتع برصيد شعبي وازن يعطيه ما يكفي من الزخم للدفع بسياساته وخوض المواجهات مع الكونغرس. وهذه حال أوباما إلى حدّ بعيد. المشكلات المطروحة عاتية. وفاز بتفويض راجح يفترض أن يستند إليه، في علاقته مع كونغرس يسيطر على مجلس نوابه اليمين الدوغماتي والمشاكس المتربص به لعرقلة توجهاته المحلية ومطاردته في سياسته الخارجية، التي ساهم الرئيس في مراكمة المآخذ عليها. خاصة في الشرق الأوسط.

لكن الرئيس لم يترك مجالاً للتخمين حول أولوياته المحلية التي تتصدرها هموم الوضع الاقتصادي وأرقام البطالة العالية وإشكالية السلاح الفردي وملف الهجرة عقدة العجز والمديونية. خاصة وأن إحصاءات الربع الأخير من العام الفائت، كشفت عن تراجع وإن خفيف في مسيرة التعافي الاقتصادي البطيئة أصلاً. ومن عزم البيت الأبيض على إطلاق حملة نوعية تشبه الحملة الانتخابية، لتمرير مشاريعه في الكونغرس. وهو يتلطّى بهذه الأولوية لترحيل الملفات الشرق أوسطية، تحت زعم أن القدرة على التحرك في الخارج مرهونة بالنجاح في وضع الاقتصاد على سكّة النمو الصاعد.

وليس أمام اوباما سوى النصف الأول من ولايته لتحقيق ما يطمح إليه وتحويله إلى إرث يرتبط باسمه. الملفات الداخلية التي تطغى على خطابه، غير اعتيادية. في السنة الثالثة تحصل الانتخابات النصفية في الكونغرس: كل مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ. وعليه النزول بثقله فيها ليمهد الطريق لحزبه وخلفه الديمقراطي، في انتخابات 2016 المتوقع أن تخوضها هيلاري كلينتون.

الفرصة بالنسبة للرئيس أخيرة.. فالسوابق تشي بأنه غير جاهز للاقتحام في زمن لا تتقبل تحدياته أقل من ذلك. في الداخل كما في الخارج. وربما لذلك، ليس في واشنطن من يتوقع سياسة أوبامية ناشطة في الشرق الأوسط ما عدا النووي الإيراني وخفض القوات إلى النصف في أفغانستان. في مثل هذا الوقت من العام. الباقي يبقى على رف الانتظار. وفي أحسن الأحوال في خانة إدارة أزمته.