تعرَّضت الشرطة المصرية لضربات قاصمة وقاسية أخيراً، هي استمرار للطعنات التي تلقاها جهاز الشرطة منذ ثورة 25 من يناير وحتى الآن، إذ تم منح الضبطية القضائية للقوات المسلحة بصورة رسمية، في الوقت الذي تجرّأ فيه ضباط الداخلية على طرد وزيرهم اللواء محمد إبراهيم، في بادرة لم تشهدها مصر طيلة تاريخها، في واقعة تعزِّز انهيار جهاز الشرطة، ومدى حاجته لحملة تطهير وتطوير شاملة تُعيده لصفوف الأجهزة الأمنية الحيّة، على اعتبار أن مراقبين وصفوه أخيراً على كونه «جهازاً ميتاً»، يعمل في ظروف مضطربة، وله إسهامات مضطربة كذلك، فهو ممزق بين النظام وبين المتظاهرين، ودائماً أمام فوهة بركان الانتقادات.

خمسة وزراء

خمسة وزراء مرُّوا على وزارة الداخلية بعد الثورة، لم يستطيعوا أن يعيدوا جهاز الشرطة للحياة من جديد، باستثناء بعض المحاولات القليلة الناجحة، والتي غالباً ما يأتي الفشل ليمحو آثار نجاحها، وتظل أجهزة الأمن تعاني داخل غرفة الإنعاش، ولكن العجيب في الأمر أن الوزراء الأربعة السابقين للوزير الحالي، كانت نهايتهم بسبب سوء تعاملهم مع غضب الشارع، والذي كان آخرهم أحمد جمال الدين، الذي فشل في التعامل مع غضب الشارع من مشروع الدستور، ووقف مسلسل حرائق مقرات حزب الحرية والعدالة، ليأتي الوزير الجديد اللواء محمد إبراهيم في وقت عصيب، لم ينتهِ من لملمة أوراق وزارته حتى دخل امتحاناً مفاجئاً ومبكراً في 25 يناير الحالي.

وإخفاقه المبكر في تعامل أجهزته الأمنية مع غضب الشارع، وفي إحكام القبضة الأمنية على أحداث مدينة بورسعيد، والإخفاق الأكبر في تأمين العاصمة من أحداث العنف والفوضى، إضافة إلى الانسحاب الكامل من مدينة السويس، واستسلام جهاز الشرطة أمام الغضب الشعبي العارم.

وتتوالى الضربات النفسية لجهاز الشرطة بعد منح حق الضبطية القضائية لأفراد القوات المسلحة، الأمر الذي جعل أفراد الشرطة يشعرون بالضعف وقلة الحيلة، وعزَّز من روحهم الانهزامية وعمق جراح ذكرى 28 يناير التي لم تلتئم بعد، ما زاد من حجم التنبؤات التي تنذر بسقوط جهاز الشرطة مرة أخرى، ولكن هذه المرة ستكون أقوى، وقد تكون نهائية أو مميتة.

الحل المعنوي

ويؤكد الخبير الأمني وكيل وجهاز أمن الدولة السابق، اللواء فؤاد علام، أن الحل الوحيد لإنقاذ الشرطة، هو الحل المعنوي، وليس تغيير الوزراء والقيادات فقط، ولكن الحل الأمثل في تغيير عقيدة ضابط الشرطة، وإعادة تأهيله معنوياً وعقلياً منذ دخوله كلية الشرطة حتى تخرجه، لكي يستطيع أن يتعامل بذكاء مع غضب الشارع، وتطوير عقليته الأمنية وفقاً للأساليب والطرق الحديثة المتبعة في معظم الدول المتقدمة، والاهتمام الأكبر في التعامل الذكي مع أعمال الشغب والمظاهرات العنيفة، مقترحاً تغيير زي الشرطة، في محاولة «معنوية» أيضاً لتغيير شكلهم لدى المواطن.

ويشدّد مراقبون على ضرورة إعادة هيكلة وزارة الداخلية من القيادات الفاسدة والتابعة للنظام السابق، لأنها تعوق عملية التغيير، وما زالت تتعامل بنفس العقلية الأمنية القمعية المتبعة في النظام البائد، وقدمت مشاريع ومقترحات عدة في كيفية تطهير وإعادة هيكلة الوزارة، منها مشروع مقترح من الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح المرشح السابق لرئاسة الجمهورية ورئيس حزب مصر القوية، إلا أنه لم ينفذ.

وتظل مشكلة الانفلات الأمني وتهاوي وزارة الداخلية المعضلة الأكبر منذ قيام الثورة، فهي بسببها قامت الثورة، ومن أجلها تحتاج إلى ثورة أخرى، لكي يستطيع الشعب المصري حل اللغز المحيّر وراء ضياع هيبة الداخلية، الذي ارتبط به العديد من المشكلات السياسية والخسائر الاقتصادية المتتالية.

 

 

 

خطورة مصطلح

 

 

 

حذَّر مراقبون محللون من ترديد مصطلح «تطهير الداخلية»، لأنه يزيد من الفجوة بين الداخلية والنظام والشارع، إذ تجعل رجل الشرطة يشعر بالاضطهاد أو الفساد من لفظ «تطهير»، وكذلك فإن عملية الهيكلة أو التطهير، سترتبط بها العديد من التساؤلات، مثل من سيقوم بعملية التطهير؟ أو وفق أي قواعد ستتم بها العملية؟ وكذلك المخاوف من تعرّض بعض رجال الشرطة للظلم أو الإقصاء من العمل، ما قد يتسبب في ظهور مشكلات أكبر في المستقبل.