في خطوة متوقعة، قررت حكومة جنوب السودان أمس تخفيض نفقاتها إلى النصف، ما يشير إلى تفاقم الأزمة المالية للدولة الوليدة، إذ حذر خبراء منذ قرار ايقاف النفط من تداعيات كبيرة على اقتصاد جوبا. فالنفط الذي قررت جوبا ايقافه عن التصدير عبر الشمال يمثل 98 في المئة من الميزانية، باعتبار أن الدولة الوليدة لم تجد الوقت لتطوير موارد اقتصادية بديلة للنفط من زراعة وصناعة وتجارة، ما أجبرها على الاعتماد بنسبة 100 في المئة على النفط، وهو الأمر الذي جعل مسألة إيقافه وخروجه من الميزانية انتحارا سريعا.

قرار كارثي

ويؤكد المحلل السياسي عبد الله رزق في تصريحات لـ«البيان» أن «آثار هذا القرار ستخلق أزمات اجتماعية كبيرة لحكومة الجنوب، لأن خفض الميزانية مرتبط بصورة أساسية بمسألة إيقاف تصدير النفط عبر الشمال، ما سيجعل من الجنوب في المستقبل القريب عالة على المجتمع الدولي، ويعتمد بالكامل على المعونات الدولية»، متسائلاً عن حقيقة الضمانات التي تلقاها الجنوب من المجتمع الدولي بدعمه بمليارات الدولارات، ما سمح له بتصعيد لهجته مع الخرطوم وأفشل المفاوضات. وأشار إلى أن «حكومة الشمال مثلما تجتهد لإيجاد موارد مالية لتغطية عجز النفط الجنوبي، وحصلت على قرض من الصين بمليار ونصف دولار، كذلك فإن حكومة الجنوب مطالبة بإيجاد بدائل اقتصادية والبحث عن موارد بديلة للنفط».

مجموعات الضغط

ويمضي رزق إلى القول إن «إسرائيل وأوغندا وجيبوتى وكينيا واثيوبيا، تمثل أكبر المستفيدين من أزمة النفط، وفى سبيل ذلك يمكنها تقديم دعم مالي للجنوب لمواجهة مشكلاته، خاصة ان لاسرائيل مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، إضافة إلى كينيا وأثيوبيا المرشحتين لمرور خط الانابيب عبرهما، إلى جانب شركات النفط والتي وعدت ببناء هذه الخطوط في الفترة من شهر إلى ستة شهور». ويقول: «استبعد علاقات جيدة مع واشنطن في ظل الوعود المشروطة بأمور تعجيزية مثل التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذى ترفض الحكومة مجرد مناقشته ناهيك عن تنفيذه».

رسالة مبطنة

من جهته، يشير الخبير الاقتصادي محمد الناير إلى أن «قرار خفض الإنفاق ليس حلا لأن حكومة الجنوب كانت تريد أضعافا مضاعفة من الأموال للنهوض ببنيتها التحتية، وبدء مشروعات التنمية».

واستنكر الناير في تصريحات لـ«البيان» إعطاء «الأولوية في الإنفاق على الجيش»، مضيفاً أن «الاصرار على هذا البند مرده الأزمات التي يمكن أن تخلقها القوات النظامية»، معتبرا ان جوبا «تتراجع إلى الوراء».

كما اعتبر الناير أن القرار «يمهد لمفاوضات أديس أبابا القادمة، باعتباره ورقة ضغط جديدة ورسالة لحكومة الخرطوم بأن حكومة الجنوب تستطيع الحياة دون النفط»، مستبعداً في الوقت ذاته أن «يكون للقرار علاقة لتقارب أميركى سوداني في ظل الشروط التعجيزية التي تفرضها واشنطن على الخرطوم في كل مرة».