في 20 أبريل الماضي، دشّن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في فــندق إنتركونتيننتال أبوظــبي تشغيل مشروع شبكة الربط الكهربائي بين دولة الإمارات ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مطلقاً المرحلة الثانية من تشغــيل مشروع الربط الكهربائي بين الإمارات وكل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة قطر ومملكة البحرين على أن يتم خــلال المرحلة الثالثــة تنفيذ مشروع الربط بين سلطنة عُمان وباقي دول المجلس.
وقام سموه عقب السلام الوطني، بحضور سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبــي وســمو الشيخ منصــور بن زايد آل نهــيان نائب رئيــس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، بالضغط على زر التشغيل مطلقا المرحلة الثانية من تشغيل مشــروع الربط الكهربائي بين محطتي السلع في دولة الإمارات وسلوى في السعودية.
وأكد رئيس مجلس إدارة هيئة الربط الكهربائي في دول مجلــس التعداون المهندس عيسى بن هــلال الكــواري أن مشروع الربط الكهربائي سيعود بالخير والفــائدة علــى دول وشعوب المجلــس حيث تم إنشاء ســوق عربيــة خليجية مشتركة لتجارة الطاقة. ويمكن لهذا المشروع أن يتحول إلى ربط دول مجلس التعاون مع شبكات الكهرباء في الدول المحيطة مثل أوروبا مما يتيح الفرصة إلى الاستفادة من هذا الربط في مشاريع التنمية الاقتصادية في دول المجلس.
وأشار الكواري إلى أن التيار الكهربائي لم ينقطع يوما عن الدول المشاركة في هذا الربط مما يؤكد سلامة توجهات دول المجلس في هذا القطاع.. منوها بأن رأسمال هيئة الربط الكهربائي في دول مجلس التعاون يبلغ مليارا و407 ملايين دولار أميركي.
السوق الخليجية المشتركة.. توطين الأموال المهاجرة إلى الخارج
أقرّت قمة مسقط (ديسمبر 2001) مبدأ السوق الخليجية المشتركة، وتمّ إقرار البرنامج الزمني لها في العام التالي في قمة الدوحة (ديسمبر 2002)، كأول تجمع اقتصادي من نوعه لدول مجلس التعاون الست التي تملك 45 في المئة من احتياطي العالم من النفط، ويتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 720 مليار دولار حسب إحصاءات 2006، وذلك من أجل توطين الأموال الخليجية المهاجرة، وصنع سوق مالية خليجية ضخمة تتسع لـ631 شركة تتجاوز قيمتها الرأسمالية تريليون دولار.
وفي قمة الكويت (ديسمبر 2003)، تم تكليف لجنة التعاون المالي والاقتصادي بمتابعة سير العمل في استكمال متطلبات السوق المشتركة، إلى أن تمّ إعلان السوق في قمة الدوحة (ديسمبر 2007)، إذ أعلن قادة دول المجلس قيام السوق الخليجية المشتركة اعتباراً من 1 يناير 2008.
وجاء في إعلان الدوحة أن السوق تأتي «استجابةً لتطلعات وآمال مواطني دول المجلس في تحقيق المواطَنة الخليجية، بما في ذلك المساواة في المعاملة في التنقل والإقامة والعمل والاستثمار والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. وحرصاً على تعزيز اقتصادات دول المجلس في ضوء التطوّرات الدولية وما تتطلبه من تكامل أوثق يقوّي من موقفها التفاوضي وقدرتها التنافسية في الاقتصاد العالمي، واستكمالاً للخطوات والجهود التي قطعتها مسيرة العمل الاقتصادي المشترك».
وتعدّ السوق الخليجية المشتركة مثالاً نموذجياً للتعاون الفعال بين أصحاب الاستثمارات الكبيرة، أفراداً وحكومات، حيث تسهم في تسهيل الحراك الاقتصادي، ودعم رجال الأعمال من مختلف دول المجلس في إنجاح استثماراتهم، إضافة إلى تفعيل العلاقات التجارية والاقتصادية المتبادلة بين بلدان المنطقة، وبحث البرامج والآليات التي تحقق ذلك، وتحديد العقبات التي تواجه تدفق التجارة بين دول الخليج، ووضع الحلول العملية التي تساعد على إزالتها، والترويج لإقامة مشروعات خليجية مشتركة تأخذ بالحسبان الميزة النسبية لكل دولة، ضمن إطار تكاملي طويل الأجل يحدّ من التكرار والازدواجية، ويعمل على توطين المال العربي في المنطقة، فضلاً عن بلورة رأي عام مشترك لرجال الأعمال الخليجيين في الشؤون الاقتصادية، واقتراح الحلول للقضايا التي تواجههم والدفاع عن مصالحهم، سواء في الخليج أو الوطن العربي أو على مختلف الصعد الدولية.
وتمتلك هذه السوق آفاقاً واسعة للتطوّر وتكوين اقتصاد قويّ ومتين، وقادر على النموّ في منطقة الشرق الأوسط ككل، إن لم نقل في قارتي آسيا وأفريقيا، إذ إنّ التكتلات الاقتصادية العالمية المماثلة (كالسوق الأوروبية المشتركة مثلاً)، أثبتت جدارتها في تقوية وحماية الاقتصاد، والسوق الخليجية المشتركة لا تقلّ أهمية عن ذلك، وإذا كانت تعاني من بعض المشكلات الإجرائية أو العوائق، فإنّ أبواب الحلول مفتوحة دائماً للنقاش، من أجل الوصول إلى اقتصاد يضاهي بقوّته أعظم اقتصادات العالم.
وحسب المدير العام للعلاقات الاقتصادية الدولية في مجلس التعاون الخليجي د. عبدالعزيز العويشق، فإن السوق الخليجية المشتركة تعني أن يُعامَل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أي دولة من الدول الأعضاء معاملة مواطنيها نفسها، من دون تفريق أو تمييز في المجالات الاقتصادية كافة، وذلك يعني إيجاد سوق واحدة للإنتاج والتصدير والاستيراد، وفتح مجال أوسع للاستثمار البيني (الخليجي) والعربي والأجنبي، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية، ما ينعكس على تحسين الوضع التفاوضي لدول المجلس، وتعزيز مكانة دول المجلس بين التجمعات الاقتصادية الدولية.
ويستفيد المواطن الخليجي من السوق عبر فتح المجال والمعاملة بالمثل في: التنقل والإقامة، والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وممارسة المهن والحرف، ومزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، وتملّك العقار، وتنقّل رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية، وتداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات، والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
وكانت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الخطوة الأولى نحو الوحدة الاقتصادية، وتمثلت في حرية تنقل الأفراد ورؤوس الأموال بين دول المجلس، ثم المرحلة الثانية وهي حرية تنقل البضائع الوطنية دون عوائق جمركية بشرط وجود القيمة المضافة بأكثر من 40 في المئة والمنشأ 51 في المئة، ثم مرحلة الاتحاد الجمركي وهي نقطة الدخول الواحدة للسلع ورفع الحواجز والجمارك بين دول المجلس.
جنسية خليجية واحدة
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن من أهم المميزات التي تقدمها السوق المشتركة أنها ستسمح للاقتصادات الخليجية بالاستفادة من حرية انتقال العمالة ورؤوس الأموال وتأسيس الشركات والتملك، بكل ما يعنيه ذلك من وجود سوق كبيرة تستطيع أن تدعم إقامة شركات ضخمة قادرة على المنافسة عالمياً، منطلقة من السوق الإقليمية الجديدة، ومن المنتظر أن تصبح المنطقة أكثر جذباً الآن للاستثمارات الأجنبية للاستفادة من مزايا هذه السوق الكبيرة.
وهذا من طبيعته أن يعمق الأسواق الخليجية ويعضد من تكاملها، من خلال تعزيز المجال التمويلي والاستثماري بالسماح بتدفق السيولة بانسيابية ويسر بين دول المجتمع الخليجي. وهو الأمر الذي يفتح خيارات أوسع أمام المستثمرين الخليجيين بعد استبعادهم من فئة الأجانب، وخاصة المستثمرين السعوديين الذين سيكون بمقدورهم الحصول على حصص أكبر في الأسواق الخليجية الأخرى بحكم ما لديهم من سيولة تبحث عن فرص، وهو ما يعزز من الاستثمارات ويؤدي إلى إيجاد مزيد من فرص عمل لمواطني دول المجلس، ويصنع جوّاً من المنافسة يعود خيرها على المواطن الخليجي من ضمان انسياب السلع بين دول مجلس التعاون الخليجي، والاهتمام بجودة السلع والخدمات المقدمة.
كما أن السوق الخليجية المشتركة فرصة كبيرة لتبادل المزايا النسبية لكل دولة، فيمكن لمواطنين خليجيين الاستفادة من تطور الخدمات، خاصة في مجالات التعليم والصحة الموجودة ببعض دول مجلس التعاون، كما أن هناك دولاً لديها قواعد صناعية من أبرزها المملكة السعودية يمكن لدول أخرى الاستفادة منها، في حين تتمتع كل من الإمارات والكويت وقطر والبحرين بالجودة في قطاع الخدمات.
ومن المزايا أيضاً اتساع نطاق السوق، ما يؤدي إلى زيادة حجم الإنتاج وانخفاض التكاليف والأسعار، وإيجاد سوق كبيرة ومتينة تمكن الدول الأعضاء فيها من الوقوف في وجه السلع والمنتجات الأجنبية.
ولعلّ التحدي الكبير الذي يواجه السوق الخليجية الوليدة، هو تشابه هياكل الإنتاج في الدول الخليجية، حيث تعتمد في اقتصاداتها بصورة شبه كلية على البترول، باستثناء السعودية التي عرفت طريقها للتصنيع. وهذا يحتم على تلك الدول إعادة هيكلة الإنتاج بصورة تكاملية تحقق التخصصات ذات الميزة النسبية، وهو ما خططت له إمارة دبي منذ العام الماضي، ولعلّ التحدي الأكبر أيضاً هو الاتفاق على ميلاد الاتحاد الخليجي المنتظر.
