يرسم الإيراني أصغر فرهادي في فيلمه الجديد «الماضي» الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، خطوط العلاقة المشوشة والمقطوعة منذ اللقطة الأولى؛ حين يصل «أحمد» علي مصطفى إلى مطار باريس قادماً من طهران لإتمام أوراق طلاقه بناء على طلب من زوجته «ماري» (برينيس بيجو) بعد انفصال دام أربع سنوات.

عندما يلتقيها لأوّل مرّة في المطار تكون هي خلف زجاج فاصل، ويتم الحديث بينهما من دون أن يسمع أي منهما الآخر، فقط يقرأ كل منهما الشفاه.

هذا المدخل الأولي هو مفتاح أساسي لكل العلاقات التي سنشاهدها لاحقاً، علاقات مهترئة ومبنية على سوء فهم عظيم يجعل من الشخصيات تعيش على أفكار مغلوطة فيها الكثير من التعذيب النفسي الإرادي، وجلد الذات.

تدعوه «ماري» للإقامة في بيتها لحين الذهاب إلى المحكمة لإنهاء إجراءات الطلاق، يستجيب هو بالمقابل، وينتقل إلى بيت الذكريات الذي تغير كثيراً الآن في ظل التعديلات التي أجرتها الزوجة استعداداً لزواجها الجديد الذي لم يكن هو مدركاً له.

«ماري» لديها طفلة وفتاة مراهقة من زواج سابق بفرنسي يُقيم في بلجيكا الآن، بين فتاتيها و«أحمد» علاقة ود واحترام تشكلّت في فترة زواجه بها.

 هي امرأة عصبية، ولكن شفافة، لم تتأقلم في زيجاتها السابقة، ولا يبدو أنها ستتماشى مع المقبل. بينما ابنتها الكبرى لا تكن لها الود لتنقلاتها المتواصلة بين الأزواج. يبدأ أحمد في التعرّف إلى تفاصيل علاقتها الجديدة، ويشعر بأسى خفي؛ ربما كان في قرارة نفسه راغباً في استرجاعها إليه بعودته هذه بدلاً من طلاقه.

منطقة رمادية

في المقابل؛ فإن الزوج الجديد «سمير طاهر رحيم»، لديه طفل من زوجته التي هي في غيبوبة الآن بسبب إقدامها على الانتحار.

هو أيضاً مفتّت نفسياً بين الزوجة الأصلية التي تقبع في منطقة رمادية بين الحياة والموت، وبين زوجة المستقبل الحامل في شهورها الأولى منه.

هو يعمل في مصبغة، وهي في صيدلية، تعرّف إليها حينما كان يزورها لشراء أدوية لزوجته الأولى.

بين هذه التراكمات العاطفية المتداخلة، نجد «لوسي بولين بيرليه» الابنة المراهقة التي تعيش أيضاً عذابها الخاص، هي لا ترغب أن تتزوج أمها للمرة الثالثة، وربما تجد في عودة «أحمد» حلاً مثالياً لها وللوضع القائم. منطوية على ذاتها، ولديها أسبابها الخاصة في إفشال الزواج الجديد، حيث قامت بتوصيل المراسلات الإلكترونية بين أمها وعشيقها إلى زوجة «سمير» قبل يومٍ من إقدامها على الانتحار، ما سبّب لها أذىً آخر، وعقدة ذنب رهيبة في أن تكون السبب في هذا الانتحار.

بوح ومواجهة

طبيعة «أحمد» الهادئة، والمستمعة، تدفع بكل الشخصيات للحراك في فلكه، هو الذي يستمع للزوجة، والأطفال، والابنة المراهقة، والزوج الجديد، كلهم يحومون حوله، وهو من يدفع بهم للبوح، والمواجهة، وكشف المستور؛ إلا أن خياراته الشخصية تكاد تكون معدومة، حيث إن مصائر الكل محسومة، ويبقى أمامه مصير واحد هو الطلاق، والعودة إلى إيران.

على الرغم من أن الفيلم تدور أحداثه في إحدى ضواحي باريس اليوم، إلا أن الماضي - عنوان الفيلم - هو الذي يطغى على مجريات الفيلم، الوقائع السابقة التي ظلّت معلّقة وناقصة، تسيطر على حياة شخصيات اليوم في معيشتهم الراهنة، وفي تصرفاتهم، وفي تعاملاتهم اليومية مع أحدهما الآخر.

فكرة الطلاق ما هي إلا هروب من ماضٍ شائب، لم تُصفَّ حساباته بعد. وفكرة الزواج المستقبلي هو هروب آخر إلى وهمٍ يبدو وكأنه حل، ولكنه في نفس الوقت خروج واقعي للمضي قدماً في الحياة دون التوقّف عند الماضي. الزمن المعاصر في الفيلم هو سرد لماضٍ غير بعيد، والشخصيات تعيش لحظات منسية وبائدة حملوها معهم إلى اليوم.

 

حبكة روائية

«الماضي» امتداد واضح على صعيد الحبكة الروائية لفيلم أصغر فرهادي السابق «انفصال» الذي حاز «الدب الذهبي» في برلين، و«أوسكار» أفضل فيلم أجنبي. العلاقات الإنسانية العائلية؛ غير أنه في الأوّل تكون الكاميرا أكثر ديناميكية وحركة وجوانية، لأنها محمولة، أما هنا فالكاميرا ثابتة، تصب في إطار المروي الزائل، وليس العصري الآني.