لدى تصفّحي لأحد الكتب التي تتناول بين طيّاتها قصصاً مصوّرة عن "حياة الشارع" في عددٍ من مدن العالم، منها التي سكنتها الحضارة عقوداً من الزمن، ومنها ما تجاهلها ركب الحضارة وأشاح بوجهه بعيداً عنها لتغرق في أتون المعاناة، قفزَت لذهني عشرات الصور والتراكيب البصرية المتشعّبة وشعرتُ بطاقةٍ عجيبةٍ تسري في أوصالي وتدفعني دفعاً نحو كاميراتي لأقوم بترجمة هذا الكمّ الهائل إلى عالم الواقع.
للحظةٍ تمنّيتُ لو أني أمتلك كامل وقتي وصلاحيتي في الاشتراك في الجائزة لأسارع في رسم الخطط وتحديد خرائط المواقع التي أنوي التقاط صوري منها وأبدأ في متعة الإبحار في هذا المحور الساحر الذي يضجّ بالحياة والحيوية والتنوّع، فلكل شارعٍ عشرات المناظر ولكل متجرٍ ينام على رصيفه قصة طويلة لا تروي عطشها مئات الصفحات.
التصوير بحد ذاته متعة خاصة، متعة كلما تذوّقتها أكثر أدمنتها أكثر لأنها مع كل صورةٍ جديدة تكشف لك بضعة أسرارٍ جديدةٍ عنها. فما بالك عندما تكون متعة التصوير ممتزجة بهدفٍ تنافسيّ محدّد حينما تختار أحد محاور الجائزة الذي يجذب مخيّلتك أكثر وتبدأ في التخطيط والتخيّل والتأمل لإنتاج مئات الصور التي قد تحملك إحداها لعالم المجد والشهرة والأضواء.
إذا شعرتَ بصوتٍ داخليّ يخبرك أن الوقت المتاح للمشاركة ما زال طويلاً لذا من المبكّر الاستعداد منذ الآن .. فاعلم أنك بدأت خطواتك الأولى في الاتجاه الخاطئ .. ذلك الاتجاه المضاد للتميّز والإبداع واستحقاق الفوز. اعلم جيداً أن عقليتّك - وليس أيّ شيء آخر هي التي ستمنعكَ مراراً وتكراراً من مجرّد الاقتراب من مساحات النجاح. هناك عقلية خاصة يجتمعُ فيها كل من اعتاد الاقتراب من الفوز واعتلاء منصات التتويج .. ألا وهي عقلية الحِصار.
ذلك أن المنتمي لهذه الفئة يصرّ على ضرب أسوارٍ منيعة حول احتمالية الفوز لمنع أي فرصةٍ لها بالهرب. وهذا يأتي بالاستعداد المبكّر أولاً وتنظيم مراحل العمل وعدم الاكتراث بعدد الصور العبقرية المُنتجة طوال فترة العمل، إذ أن من يعتمد على صورةٍ مميّزة واحدة أو اثنتين في الفوز بأكبر جائزة تصويرٍ ضوئيّ في العالم، نعتبره من "الهواة" مهما علا شأنه وشأن إبداعه.
حصار الفوز هو أن تحصل على عشرات الصور المبهرة المتنوّعة الطابع من خلال تصفيتك لآلاف الصور الملتقطة خلال شهور العمل، ومن هنا تستطيع الجزم بقدرتك على المنافسة وإرضاء ضميرك بأنّك بذلت ما في وسعك. المكافأة الأولى حينها ستكون فورية، وهي اتساع أفقك الفني وتمدّد رقعة خبرتك وتجربتك وقدرتك على إدهاش نفسك.
فلاش:
أيتها الشوارع .. كم يدهشني إصرارك على ملاحقة كاميرتي!
