عربة متحركة تحمل في حضنها كاميرا صغيرة تجوب حواري القدس بخفة وسرعة، ما تكاد تزور الأماكن الضيقة التي تغفو في العتمة، حتى تردنا إلى الفضاء الذي يلف تلك الحواري، راصدة جملة من التغيرات التي حلت في المدينة المقدسة، من حضنها ينقلنا المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي في «أرض الحكاية» لنزور أحد المحال القديمة، ولنتابع عبرها تاريخاً مصوراً، بعدسة رجل مقدسي من أصل أرمني، ومنه تأخذنا في جولة نستطلع فيها أحوال بيوت يهددها الاستيطان، ليبين لنا مشهراوي في فيلمه «أرض الحكاية» وبأسلوب درامي وثائقي صورة القدس بين تاريخين، وما حل بينهما من تغيرات أحدثها الاحتلال الإسرائيلي للمدينة.

بيوت القدس

10 سنوات تفصل بين فلميه «أرض الحكاية» و«خلف الأسواق» الذي قدم فيه مشهراوي نموذجاً أقرب إلى ما يحدث في القدس حالياً من خلال قصة سيدة عجوز تعاني من سرطان الاستيطان، الذي يتنشر في أرجاء بيتها دون غرفتها التي تعيش فيها، والتي تكون آخر غرفة في الحي الذي انتشر فيه سرطان الاستيطان.

بيوت القدس تبدو في هذا الفيلم واحدة من أكبر هموم مشهراوي الذي حاول من خلال مشاهده أن يعكس مدى اهتمامه بالمدينة القديمة، وبهموم ناسها التي لا تظهر بين عناوين الأخبار، ولا يعرف عنها أحد شيئاً، وفيه حاول مشهراوي تقديم صورة حية عن القدس الشرقية المعاصرة التي لا تشبه أبداً شكلها في الصور الفوتوغرافية أو حتى في الأفلام الوثائقية، فليست القدس هنا مدينة المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية، ولا تبدو حواري القدس القديمة وأدراجها بجمالها المعهود من خلال الصور السياحية، بل تبدو مدينة ضيقة مكتظة بالبشر الساعين إلى أعمالهم اليومية ومكتظة بجنود الاحتلال ومستوطنيه.

قضية ورسالة

ويقول مشهراوي لـ«البيان»: «حاولت في هذا الفيلم تقديم نظرة شاملة لطبيعة الوضع الفلسطيني، وأن أعكس حياة الإنسان الفلسطيني ومعاناته داخل القدس، وتقديم القوانين التي تعتمدها إسرائيل في تهجيرها لفلسطيني القدس، والذي اعتبره استيطاناً على الهوية وليس حجارة البيت فقط، ومن خلال «أرض الحكاية» حاولت تقديم رسالة لكل من يشاهده بأن الوقت آخذ بالنفاد من أيدينا، وأن كل شيء في القدس آخذ بالتلاشي والذوبان بفضل الاستيطان، وهو ما ظهر جلياً في حديث السكان المستهدفة بيوتهم».

واقع حياة

لا يبدو أن مشهراوي قصد من خلال «أرض الحكاية» أن يقدم لنا فيلماً وثائقياً بحتاً، بقدر ما حاول أن يكون فيه إضافة جديدة على كل ما صور عن المدينة، وعن ذلك قال: «حاولت في هذا الفيلم الابتعاد عن التوثيق، ولذلك لا تظهر لدي سوى دقيقتين فقط من الأرشيف، وتتمثلان في تاريخين الأول عام 1967 الذي يبين احتلال القدس، والثاني 2012 الذي يعكس ما حدث في القدس من تغييرات، وبينهما قدمت فيلماً من واقع الحياة التي تدب في أرجاء القدس».

 وأضاف: «عندما تمشي في شوارع القدس سواء بكاميرا أو من دونها تشعر بخليط مختلف يهيمن على روح القدس، ولذلك كنت دائماً أبحث عن طريقة أقدم فيه المشهد بوضوح دون تدخل مني، ولأحقق ذلك لجأت إلى فكرة «عتال» متجول يقود عربة صغيرة، لا تكف أبداً عن التجول بين شوارع المدينة وأزقتها، وهو ما يجعلني أعتبر تلك العربة بأنها مثلت وجهة النظر من داخل القدس، فضلاً عن أنها أعطت الكاميرا فرصة الحركة والدخول إلى أماكن ضيقة وبيوت مختلفة».

 

 

عفوية صادقة

 

 

 

رشيد مشهراوي في فيلمه هذا استنطق بعض سكان بيوت القدس القديمة، والذين تحدثوا أمام الكاميرا بعفوية صادقة عن أزماتهم وبؤس العيش في بيوت تتعرض للخراب والرطوبة ولا يسمح لهم بإصلاحها، فضلاً عن أنهم لا يملكون أصلاً الموارد التي تمكنهم من ذلك، ولكنهم على الرغم من ذلك يتمسكون بها ويرفضون ما يقدم لهم من إغراءات لمغادرتها.