منذ السنوات الأولى التي لاحظ فيها من حولي خصوصية الحالة البصرية لديّ، أي أني أرى الأشياء من حولي بمنظورٍ خاص، وأنا أشعر بحالة صداقة متينة مع كل ما يحمل صفة «جميل»، مع عشرات الخيالات التي تجعله أجمل مما هو عليه. هذه الرؤية سبقت مرحلة موهبة التصوير بكثير، ويبدو أنها كانت مرحلة إنضاجٍ للشخصية الفنية بداخلي.
في المقابل كانت هناك حالة عداءٍ فطرية مع القبح بكل أشكاله، ممزوجة بطاقة داخلية هائلة لاجتثاث أي عنصرٍ مشوّهٍ للجمال من جذوره.
ما زلتُ أذكر منظر الوردة المقطوفة المرمية على أرض إحدى الحدائق، شعرتُ حينها بضيقٍ شديدٍ لازمني، وكان من الصعب التملّص منه رغم تكرار المحاولة، تحايلتُ على شعور الخجل بأن راقبت المكان حتى خلا نسبياً من المارة، والتقطتُ الوردة وأعدتها إلى جوار أخواتها. ربما لم يكن الإنجاز الذي فعلته كبيراً، لكنه سكب في قلبي سعادة غامرة وسكينة لذيذة لا أنساها.
وخلال بدايات رحلتي مع التصوير، كنتُ أعتقد أن هذه «العقد النفسية» كما أسمتها إحدى صديقاتي، خاصة بي وحدي، إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك، فلقد كانت حالتي بسيطة جداً مقارنة بالمصورين الآخرين! كان انعكاس موهبة التصوير عليهم واضحا، من خلال طاقتهم الفنية الساعية لجعل كوكب الأرض مكاناً أجمل وأفضل للعيش.
فهذا يلتقط المناظر المشوّهة في أنحاء المدينة ويطوف بها على كل الصحف للنشر حتى يتم إصلاح الموقف، وهذا يقضي يوم عطلته في المنتزه ملتقطاً الصور للأطفال الراغبين، لإسعادهم دون أي مقابل، وتلك السيدة التي تجاوزت الخمسين، تختار من ترى على وجوههم علامات الحزن والبؤس فتواسيهم وتتحدّث إليهم وتحاول مساعدتهم، ثم تفاجئهم بنوعين من الصور الخاصة بهم، خلال حالة الحزن وحالة الفرح، وتهديها لهم ناصحة إياهم برسم الابتسامة على وجوههم دائماً.
ولا ننسى الرجل العجوز الذي يتكفّل بتصوير كل حفلات الأفراح في قريته، وإهداء ألبومات صورها لأصحابها مجاناً، المقابل كما يراه هو نشر الفرح والبهجة بين الجميع.
المصور الحقيقي إنسانٌ فريدٌ في رؤيته للعالم، إنسانٌ مختلف تماماً في عقليته وفي نواياه، المصور الحقيقي لا يعترف أبداً بنظرية «مهما فعلت فلن يؤثر ذلك شيئاً على الكوكب».
المصور الحقيقي يعتنق الإنسانية بطريقته الخاصة، هو يرى أن الإنسانية جَمَال، وكل ما يتضاد معها قبح يعنيه شخصياً، لذا يبذل كل ما في وسعه لإحداث فارقٍ لصالح الجَمَال. المصور الحقيقي ليس مجرّد رقم إضافي على سكان الكوكب، بل هو رقمٌ صعب قادر على صناعة فارقٍ مؤثر مهما كان نوع هذا الفارق، إلا أنه فارقٌ استثنائي بكل تأكيد.
فلاش:
إذا عملتَ على إسعاد البشر من خلال كاميرتك.. فأنت مصور حقيقي.
سحر الزارعي- الأمين العام المساعد للجائزة SaharAlzarei@
