روايات ونصوص عديدة نثرت لآلئ عقدها في جنبات حقول الفنون الإبداعية الأخرى، فخرجت بملمح بديع وجدناه يعانق تلك المجالات ويتجلى فيها بصورة أخاذة: في السينما مرة.. وفي التشكيل.. وأيضا الموسيقى في ثالثة.. وفي غير ذلك الكثير.
ولكنّ نكهة وسرا فريدين تشي بهما، في الخصوص، تفاصيل ونتاجات مسابقة عالمية لرسم لوحات تعبيرية تجسد مضمون رواية «قلب الظلام» للأديب البريطاني، من أصل بولندي، جوزف كونراد (1857- 1924)، أطلقتها، في الفترة الأخيرة، من العاصمة البريطانية، لندن، مؤسسة «ذي فوليو سوساييتي».
إذ فتحت باب المشاركة فيها لكافة الفنانين، من بقاع العالم المختلفة.
فكان النتاج، لوحات لافتة تضم أنساقا جمالية تشكيلية، عالية المستوى، بموازاة حكايات تصورات ودلالات قوية، منثورة بأبجدية اللون على أسطح اللوحات، تسرد حقيقة جوهر ومسارات رواية كونراد وما قدمته للبشرية جمعاء، من برهان نوعي على دور الأدب، الرواية تحديداً، في مواجهة الظلم وكبح جماح الاستبداد.
وهكذا أتت اللوحات المنضوية في المسابقة عينها، وطبقا لركائز معايير توجهاتها وغايتها الأساس، بمثابة مساق تكميلي أدبي - تشكيلي، أضاف إلى تلك الرائعة الأدبية ونفخ فيها روح الإشراق والتألق من جديد.
محور راسخ
استنتاج مؤكد يترسخ لدينا ونحن نطالع مجموعة تلك الأعمال، أو بعضها، في هذه المسابقة المقرر أن تعلن نتائجها نهاية العام الجاري، فحواه أنها لم تحِد في طبيعة ما ترمي إليه وتبتغي أن تتركه من أثر لدى المتلقي، عن المحور الرئيس لـ«قلب الظلام»، ذات القيمة الرؤيوية السامية، الشاجبة لقهر الشعوب الفقيرة، والمُدينة لتحكم الدول الغربية بمقدرات ومستقبل وعيش من ينتمون إلى العالم الثالث.
واللافت أن المبدعين المنخرطين في هذا النشاط، ليسوا جميعا من منبت أو مشرب ثقافي جهته الجنوب: أي الدول الفقيرة، وإنما يوجد عدد كبير بينهم، هم من أميركا وبريطانيا وفرنسا.. وسواها من الدول المتقدمة.
قراءة في العمق
يغلب على اللوحات، اللونان الأبيض والأسود. إذ تتماشى في هذا التوجه، مع روحية النص. إلا أن قليلاً منها، يضيف ألواناً أخرى إليهما، ولكنها ألوان من النوع الهادئ والمعبر عن الحزن والسكون، بشكل من الأشكال.
ذاك كما تبدو عليه لوحة للفنانة البريطانية بيثاني وايت، التي تغلِّب الأصفر في مساحاتها. وتتبدى لنا في عمق لوحات عديدة، حالات القلق والصخب والتيه، التي انغمس فيها عالمنا، بفعل تحكم الربحية والنهج الاقتصادي النفعي في مصائر البشر، منذ القرن الـ19.
ودليل ذلك، لوحة للفنان البولندي أم سي سورليس. وتطغى، في العموم، اللوحات التي تسرد قصص الاستغلال الغربي لمواطني الدول الأخرى، ونجد في هذا الشأن، باقة غنية من الرسومات التوضيحية الصارخة، عن العبودية والقهر، ومثالها: عمل الفنان الكندي سين أم سي سورلي.







