كينونة الحرف وحضوره تتجاوز حدود المفهوم الكلاسيكي في يد الفنان السوري منير الشعراني، الرائد في تطوير الخط العربي التقليدي ، فنجد في كل لوحة من لوحاته مساحة للحوار والإبداع، وكما تتطور الحياة يتطور عنده الحرف وينمو.

وتجربة هذا الفنان نحو التميز في فنه، والتي كان متسلحاً فيها بسلاح التعليم والبحث والدراسة، فقد استفاد كثيراً في بداياته من أستاذه الأول، أستاذ خطاطي بلاد الشام بدوي الديراني، واستفاد من دراسته للفنون الجميلة، هذا الفنان لديه طاقة خفية تتيح له ابتكار حروف ليست كالحروف التي نعرفها.

فحروف الشعراني حروف عصرية في صورة تشكيل تجريدي لا يخلو من محتوى جمالي، يتقبلها الخطاط والتشكيلي في نفس الوقت، فعشقه الفطري للخط العربي جعله يتجاوز وظيفة الخط إلى صورة أكثر جمالية وإبداعية، فكان له نقلة نوعية من لغة الخط إلى التأليف وابتكار لغة خاصه به.

أسرار الكتابة

عشق الفنان الخط منذ الطفولة، وسعى إلى خلق فضاءات رحبة لإمكانات الحرف العربي، وكانت بداية دراسته للخط العربي في العاشرة من عمره عند أستاذه الأول أستاذ خطاطي بلاد الشام بدوي الديراني فتعلم منه، وقام بتقليد الكلمات والعناوين واستمر حتى وفاة استاذه، وكان قد بلغ الخامسة عشرة من عمره.

فامتهن الخط وتعلق به، بعد أن عرف أسراره من الكتابة بالقلم والحبر إلى الكتابة بالفرشاة، فعمل كخطاط في المطابع، وأصبح الخط هو مصدر رزقه، كما ساعده في الدخول إلى معترك الحياة، واستمر عشقه حتى بعد دراسته في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق قسم التصميم الغرافيكي.

مشروع خاص

بعد تخرجه من الجامعة ظل الخط العربي هاجسه فقرر أن يخوض مشروعه الخاص في هذا المجال، والذي يرتكز على تطوير الحرف والتكوين في الخط العربي، فدرس أنواعا مختلفة من الخط العربي، واطلع على الكتب المتعلقة بالخطوط التي اهتم بها العثمانيون.

كما اطلع على خطوط لم يعرها العثمانيون اهتماماً كبيراً مثل الخطوط الكوفية والخطوط المغربية، هذا التجاهل لهذه الخطوط ولد لديه رغبة في دراستها، واكتشاف جمالياتها، وساعدته دراسته للفنون الجميلة على فهم الكثير من القيم الجمالية التي تنطوي عليها الخطوط الكوفية.

الخط الكوفي

نقل الخطاط السوري منير الشعراني سمات الخط العربي من محدوديته الجمالية التقليدية إلى الحداثة والمعاصرة، فبدأ مع الخط الكوفي النيسابوري، ثم الكوفي القيرواني ثم كرت السبحة إلى الكوفي المشرقي ثم إلى خط النسخ المغربي، والذي قام بدراسته بعمق عبر نماذج كثيرة ساعده على إنشاء نمط خاص به، وهو ما نجده في استخدامه للخط النيسابوري، ولخط جلي الديواني والثلث.

إضافةً إلى أعمال بالخط المغربي، فهو من الخطاطين الذين لا يكررون الجماليات التقليدية لأنواع وأشكال الخط المستهلكة، ولا يحصرون الحرف العربي بوظائف زخرفية محددة، ولكنه عمل على تطور الحرف بشكل فني وجمالي وإبداعي ليستعيد مكانته بين الفنون التشكيلية، وكما عمل على إعادة الاهتمام بالخط العربي من النقاد والمتخصصين ومتذوقيه.

تصوير الحرف

يمكن لنا تكوين انطباع شبه متكامل عن تجربة الفنان الذي كسر قدسية التراكم التراثي للخط العربي، من خلال عرضه لمقترحات تجريدية، وكسر النمطية لتتمكن المعاصرة من الدخول إليه، فتصوير الحرف لدى الخطاط منير الشعراني يتدخل فيه الخيال المعتمد على التجربة، إضافة إلى المعرفة الأكاديمية.

ولحرص الفنان على تشكيل لوحة خطية متناسقة الخطوط والبناء الفني يعادله نفس الحرص على انتقاء عبارة لوحته، فهو يختارها بحيث تكون لها علاقة بالإنسان أو من الموروث الثقافي النثري والشعري أو من القرآن والإنجيل، وفي بعض الأحيان يؤلف بعض العبارات أو تكون عبارات مترجمة من الثقافات الأخرى.

نقطة حمراء

لم يغفل الفنان عن دور الألوان في لوحاته، فدورها لا يتجاوز ما يحتاج إليه العمل، وفي معظم أعماله غالباً ما تجد النقطة الحمراء وهذا النقطة الحمراء هي الجانب الموسيقي البصري الذي يتعامل معه، فهو يحقق موسيقى بصرية تخيلية تجعل المتلقي يتصور أشياء يراها من خلال روحه ومشاعره ووجدانه.

مساحة العالم

لوحات الشعراني مقتناة في أكثر من عشرين دولة عربية وأوروبية، فهو استطاع أن يصل بعمله ليس فقط إلى من يجيد قراءة اللغة العربية وإنما للآخر، وهذا يعني امتلاك لوحاته للقدرة البصرية القادرة على فرض نفسها قبل اكتشاف محتواها اللفظي.

ثورة

 

تمردت الأحرف في لوحات منير الشعراني، فالفن عند الشعراني يرتقي، كلما اهتم بقضايا الناس ودخل بالعمق، فقد تركت ثورة الشعب السوري أثرها الواضح على وجه أعماله.

حيث قالت لوحاته؛ نعم للحرية لا للاعتقال، وشكلت قضايا الإنسان والوطن والحرية أساس خياراته في حياته وأعماله، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فقد أجبرته الملاحقة السياسية على مغادرة دمشق في نهاية السبعينات إلى بيروت، وقبل أن يعود عام 2004، حيث انتظمت تجربته لفترة قبل أن تنفجر الأوضاع وتعود السياسة إلى احتلال أعماله مرة أخرى.