تكاد أن تكون مواضيع التسلط والسياسة والنقاش في ملفات الفساد، وغيرها قاسماً مشتركاً بين معظم الأعمال التي عرضتها أيام الشارقة المسرحية حتى الآن، فمن «ريتشارد الثالث»، التي تتحدث عن القمع والتي افتتحت المهرجان إلى «صاحبك»، التي تميزت بقوة نصها الذي تناول التسلط وما يولده من عنف إلى «أوركسترا»، التي رصدت ضبابية الشارع العربي..
وصولاً إلى «القبض على طريف الحادي»، التي أطل بها مسرح العين، أول من أمس، على خشبة قصر الثقافة، ليناقش البطش المتمثل في الأنظمة البوليسية التي كانت في فترة ما تشكل حالة من الخوف لعامة الناس، جراء فسادها وجبروتها وتسترها خلف قانون فاسد.
شخصيات
العمل الذي كتبه الراحل ممدوح عدوان وأخرجه محمد السليطي يدور حول شخصية طريف التي يقدمها الممثل ياسر النيادي، وهي التي تشكل الشخصية المحورية بهذا العمل، رغم أن ظهوره يأتي بعد انقضاء نصف مدة العرض تقريباً، فالمشهد الأول من المسرحية يبدأ بظهور صاحبة المنزل الذي يقطنه طريف "فيروزة" ..
والتي أجادت الممثلة فاطمة حسن تجسيد دورها، فهي شخصية مضطربة المشاعر تارة تلين بمشاعرها وتعترف بحبها لطريف وتارة تشكوه لرجال الشرطة لا سيما بعد اختفائه وعدم تسديده إيجار الغرفة لأكثر من 3 شهور.
أحداث
من هنا تتصاعد أحداث المسرحية لتصل إلى ذروتها، بعد أن باشر رجال الشرطة الفاسدون في عملية البحث عن طريف ليس من أجل فيروزة بل لخدمة مصالحهم الذاتية، فالأول يريد الحصول على ترقية ..
والثاني علاوة مالية والآخر مكافأة ونياشين تعلق على صدره المجرد من الضمير، فصارت قضية طريف الشغل الشاغل لرجال الشرطة، إذ تحولت من قضية عادية يمكن انهاؤها وحلها بطريقة ودية إلى قضية مساس بأمن الدولة وسيادتها، فضلاً عن القضايا التي سجلت على الهامش من توزيع منشورات ضد الحكومة وتأليب المجتمع عليها، كل ذلك لاستغلال طريف في الوصول إلى أهدافهم غير الشرعية.
ساحة بحث
تحولت الحياة الروتينية في المدينة لساحة للبحث عن طريف فالجميع مشتبه فيه، حتى الجمهور سلطت عليه إضاءة الشرطة في محاولة لإشراك الجمهور في العمل، كما تناقلوا مواصفات متباينة مما ساعد في سهولة عملية القبض على كل من اسمه طريف وعيونه سوداء أو زرقاء أو حتى خضراء أو من لديه شعر أو يضع شعراً مستعاراً أو ربما يشكو الصلع..
فلم يسلم أي رجل في المدينة من بطش وظلم رجال الشرطة الذين قبضوا على معظم رجال المدينة ليتمكنوا من الفوز بما يطمحون إليه ويلبي مصالحهم، لدرجة انهم باتوا يلفقون التهم لطريف ليجعلوه متهماً خطيراً هارباً ومن يقبض عليه يكافأ.
ومع ظهور طريف الحقيقي لم يعرفه الجمهور لأن التعميم الذي اشاعه رجال الشرطة حول مواصفاته أسهم في خداعهم، ومع أن طريف ظهر في السوق وتحدث لأعوان الأمن وجلس في المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه إلا أن أحداً لم يشتبه فيه، حتى عاد إلى منزل فيروزة وطلب الزواج منها وأعطاها المال المتأخر في سداده، بعد أن تمكن من تأمينه بعد أن باع أرضاً في قريته وهذا كان سبب اختفائه.
ولأن رجال الشرطة يسعون وراء مصالحهم، كونهم قبضوا على معظم رجال المدينة مما يزيد فرص حصولهم على المكافآت، فإن القبض على طريف الحقيقي لن يخدم تلك المصالح، فرأوا القبض على فيروزة وإخفاء الحقيقة وتعتيمها.
إشكالية النص
وجود إشكالية واضحة في النص أحدث عائقاً بين الحكاية والعرض، أبرز ما خلص إليه المشاركون في الندوة التطبيقية التي تبعت العرض وأدارها محمد زعيمة، ليأتي العمل بدون حدث مفاجئ، أما من ناحية أداء الممثلين فقد وضح الاشتغال على أداء أعوان الأمن بصورة جيدة إذ ظهروا بشخصيات كاريكاتورية سطحية ومغمورة وغلب عليهم الطابع الكوميدي بدءاً من الأزياء التي كانوا يرتدونها ووصولاً إلى حواراتهم، إلا أن هذا الاشتغال لم يكن واضحاً على بقية الممثلين لا سيما الكومبارس منهم.
التوصيات بين واقع التنفيذ والأدراج المغلقة
ترافق التوصيات عادة كل المهرجانات المسرحية، لتكون خلاصة النقاشات والحوارات التي تجمع المسرحيين على طاولة واحدة، ونتاج الأسئلة التي طرحوها خلال أيام المهرجان، وتحظى هذه التوصيات باتفاق جميع المشاركين في النقاشات والندوات المختلفة. ولكن ما نتيجة هذه التوصيات، وهل تؤخذ بعين الاعتبار، أم تبقى حبراً على ورق ويكون مصيرها الأدراج المغلقة؟ «البيان» أجابت عن تلك الأسئلة من خلال لقائها بالمسرحيين في التحقيق التالي.

صنع أثر
د. صبحة علقم، أستاذ الأدب والنقد الحديث بجامعة الزيتونة الأردنية، أكدت أن الاعتقاد السائد حول التوصيات في أي مؤتمر أنها تُكتب ولا تنفذ، إلا أن هذه المقولة خاطئة، وقالت: تؤكد الدورات المتتالية لمهرجان أيام الشارقة المسرحية، أن التوصيات تؤخذ بعين الاعتبار..
والدليل على ذلك أن هذا المهرجان جاء بفعاليات جديدة لم تكن موجودة من قبل، ما أثر بشكل إيجابي وملحوظ على المسرح، أما إذا كانت هناك مسارح لا تأخذ بمثل هذه التوصيات، فلا شك أن هناك مشكلة في سياسة الدولة التي قد تمنع تطبيقها، ولكن هذا لا يمنع أن يسعى المسرحيون والنقاد والكُتاب إلى صنع أثر في المكان الذي يكونون فيه.
ورفضت علقم الإدعاءات التي تقلل من أهمية هذه التوصيات بأنها تبقى حبراً على ورق، وقالت: توصلنا من خلال الملتقى الفكري إلى أننا بحاجة لتفعيل دور المسرح في واقعه، بمعنى أن يكون المسرح العربي واقعاً في المجتمع الذي ينتمي إليه، يحاكي همومه وآلامه وقضاياه، وألا يجب أن يكون معيار الغرب هو المعيار السائد، فقضاياه واهتماماته تختلف عنا.
في السياسة
اعترف أحمد شنيقي، أستاذ جامعي وكاتب مسرحي أنه ليس مع فكرة التوصيات، وقال: التوصيات يجب أن تتواجد في مؤتمرات الأحزاب السياسية وليس في الجانب الفني، ففي أوروبا ليس هناك أي وجود للتوصيات، فكيف لي أن أعطي توصية لمخرجين كبار بحجم بيتر بروك أو روجيه عساف.
وأشار شنيقي إلى أن التوصيات قد تكون عامة، مشيراً إلى أن أغلبها لا يتحقق في ظل الفقر السياسي والثقافي وغيره، وقال: الملتقيات تساعدنا على التحاور وتبادل المعرفة والوعي، ولكني عموماً لست مع التوصيات ولجان التحكيم، فهي غير موجودة الا في الدول العربية، وليس لها أي وجود أوروبا وأميركا.
عصا سحرية
أكد أحمد بورحيمة، مدير «أيام الشارقة المسرحية» أنه لولا الأخذ بتوصيات المهرجان والاهتمام بها، لما وصل المهرجان إلى ما وصل إليه اليوم، وقال: تبقى هناك توصيات لا تنفذ في أيام الشارقة المسرحية ولكننا نستحدث لها فعاليات أخرى كالملتقيات المسرحية التي تناقش أوضاع المسرح في الوطن العربي، ولكن النتائج لا تتحقق بعصا سحرية خلال يوم وليلة، وأؤكد للجميع بأن كل التوصيات تنفذ، لا أقول بحذافيرها ولكنها تؤخذ بعين الاعتبار.
وأشار بو رحيمة إلى أن الرهان يتمثل في التجربة والاستمرار في هذا الأعمال وتقديمها بشكل يتناسب مع طبيعة المجتمع المسرحي في دولة الإمارات، وقال: وضعنا يختلف عن أي وضع آخر في الأقطار العربية، ومن خلال دعم حاكم الشارقة للمهرجانات المسرحية وللطاقات الإبداعية الشبابية لما وصلنا لما نحن عليه اليوم.
الحاضن الأكبر
وذكر بورحيمة أن مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح هو الحاضن الأكبر للمهرجانات العربية، وقال: تقدم الهيئة العربية للمسرح الجهد على المستوى العربي، ونحن على المستوى المحلي، ولولا هذه الجهود ودعم حاكم الشارقة لما لاحظنا الاهتمام بالمسرح في ظل تراجع الثقافة عموما والمسرح على وجه التحديد في الأقطار العربية.
رهان
قال أحمد بورحيمة، مدير «أيام الشارقة المسرحية» إن توصيات هذه الدورة ستكون قد تحققت بقدوم الدورة المقبلة، وقال: الرهان الحقيقي يكون على الفعل وهو مرتبط بالحالة الإبداعية للفنانين، ولدينا في الدولة عدة فعاليات، وجهود تبذل من أجل تفعيل الحراك المسرحي، ونحن لا نعد بالكمال ولكننا نجتهد من أجل دعم المسرح، ومن أجل أن تتحول التوصيات إلى واقع.
مروة مهدي: بداية مُبشرة للعروض المحلية

للرؤى النقدية أهميتها الكبيرة في دعم حركة المسرح، ودفعه إلى الأمام، ومن خلال نظرة سريعة على بعض العروض المشاركة في مهرجان أيام الشارقة المسرحية، أكدت د. مروة مهدي، باحثة في جامعة برلين الحرة/ دكتوراه في النقد المسرحي، أنها تعد بداية مبشرة ولكنها بحاجة لدعم فني وحرفي كبير حتى ترتقي بمستواها.
مجهود واضح
وأكدت مهدي أنها شاهدت عدداً من العروض المسرحية، ولاحظت فيها مجهوداً كبيراً وواضحاً من الشباب الإماراتي، مشيرة إلى أنها لم تكن تمتلك فكرة عن المسرح الإماراتي حتى رأت الرغبة الطموحة لديه في تقديم شيء ما للمسرح، وقالت: أحترم الإبداع أينما كان، ومن خلال العروض التي رأيتها وجدت جهوداً كبيرة، إلا أن الشباب بحاجة للدعم ولا يزالون في مرحلة التعلم وتطوير المهارات..
ولكن بشكل عام فمستوى العروض يبشر بالخير، إلا أن هناك عرضاً استوقفني، وجدت فيه أن دور المخرج ضائع، ورؤيته مفقودة ومشتتة، وهذا يجعلني أؤكد على أهمية دور الاحترافية بمعنى أن يكون هناك من يساعد المخرج في الوظائف الفنية والمهام المختلفة، ليقوم هو بالتالي بتجميع كل العناصر في سلسلة واحدة تتمثل على المسرح.
نظرية جداً
وعن دور الملتقيات والتوصيات التي تخرج عنها، ذكرت مهدي أن مشكلة النقاشات تكمن في أنها نظرية جداً، وقالت: رغم ذلك تبقى الفائدة في مثل هذه الملتقيات في جمعها للمسرحيين في مكان واحد لتبادل الأفكار كلُّ عن مسرحه، ما يزيد وعي كل منهم بمسرح الآخر، وهذا التبادل مهم جداً في تطوير الحراك المسرحي وزيادة الوعي به.
وطالبت مهدي بفتح باب الملتقيات للجمهور وقالت: لو تم ذلك مع تبسيط لغة الحوار سيزيد وعي الجمهور بالمسرح وتتغير نظرته له. وتحدثت عن النقد المسرحي ودوره، فقالت: ينقصنا اليوم هذا النقد، ويجب تفعيل دوره بجدية، بحيث يكون الجسر بين المسرح والمسرحيين والعروض وبين المتلقين، وذلك من خلال تفسير وتحليل وتقييم عملية الإبداع المسرحي وتوصيلها بشكل بسيط للجمهور.
عالم متكامل
وذكرت مهدي أن النقد بمعنى التصنيف بين الجيد والسيء لا يصلح في الفن، وقالت: العالم يتكون من لونين أبيض وأسود وبينهما عالم متكامل من الألوان ولا يصلح أن نصنف العرض المسرحي بأنه أبيض أو أسود، أو جيد أو سيء فهذه التقييمات لا معنى لها، إذ يجب النظر إلى رؤية النص وهدفه ورسالته وتفسيرات شفراته، وتوصيل ذلك للمتلقي.
خطوط النقد
تحدثت مروة مهدي عن أنواع النقد فقالت: هناك خطان في النقد، خط تنظيري بمعنى أن أشاهد العروض أو أقرأ مسرحيات كثيرة وأبدأ بالتنظير لها، وإبراز سماتها، وهذا عمل بحثي يخص الجامعات، وخط تطبيقي وهو النقد المسرحي التطبيقي، بمعنى أن أشاهد العروض وأنشر مقالات نقدية تحليلية تفسيرية مبسطة وبلغة تصل للمتلقي، لأكون بذلك الجسر الذي يربطهم ببعضهم البعض.
